انقضى، أو كاد ينقضي، «أسبوع الأمم»، أسبوع تبارت فيه قيادات الأمم لتشهر أمام بعضها بعضاً، والعالم، إبداعاتها الخطابية ورؤاها لمستقبل السلام والتنمية والعمل الدولي. وكما العادة ظهر بعض القادة في صور هزلية، واستمعنا إلى خطابات بعضها لا يستحق قيمة الوقت الذي بذل في إعدادها وبذلناه في الاستماع إليها، وتأكدت ظنونا بأن الشرق الأوسط مرشح لعنف أشد وجرائم حرب رهيبة حين كنا ننصت وبكل الاهتمام إلى خطاب من بنيامين نتانياهو يقطر إرهاباً وغطرسة وعنفاً وعنصرية. أراد الإسرائيلي أن يتحدى باراك أوباما فسلط نيرانه على ممثلي كل الأمم مهدداً ومنذراً، وكنا في اليوم الذي سبق هذا الخطاب الإرهابي نستمع، وبلهفة، إلى تفاصيل رؤية باراك أوباما لسياسة أميركية جديدة وتصوره لمستقبل العمل الدولي ودور بلاده فيه.
وبعد الجمعية العامة شهد مجلس الأمن أول ترجمة واقعية لجزء من خطاب أوباما حين تولى الرئيس الأميركي قيادة المجلس وعرض قضية هي في صلب علاقات الغرب مع دولة جمعت في ذاتها صفات الجنوب والشرق والإسلام معاً، وهي أيضاً قضية في صلب أجندة مستقبل العمل الدولي لارتباطها بانتشار السلاح النووي، وفي الوقت نفسه هي قضية في صلب محاولات بلورة قيادة جديدة للنظام الدولي، لأنها القضية التي تركز عليها «القوة الحادية والعشرون، في النظام العشريني الدولي الجديد»، وأقصد اليهودية العالمية ممثلة في دولة إسرائيل، أو دولة إسرائيل ممثلة في اليهودية العالمية.
خرجنا من أسبوع الأمم بانطباع أن الولايات المتحدة في عهد أوباما تسعى بنية جادة وبخطة مدروسة لرسم شكل جديد لنظام القمة الدولية. في هذا الشكل الجديد تبدو القمة موزعة على ثلاثة طوابق في حيز واحد. هذه الطوابق متصلة ببعضها ومفتوحة إلى حد كبير على بعضها بعضاً، ولم أجد وصفاً لها أفضل من «البنتهاوس»، أي الشقة المتعددة الطوابق التي يشيدها أصحاب البنايات في أعلى بناياتهم. تسعى الولايات المتحدة لتجعل الطابق الأعلى مكاناً تمارس فيه ومنه أنواعاً معينة من القيادة المنفردة وتنفذ سياسات تخدم المصالح القومية الأميركية، وهي بالتحديد تلك المصالح التي لا ترغب واشنطن في أن تشاركها في تنفيذها دولة أخرى مهما تطابقت أو تشابهت مصالح كل منهما. أما القضايا الأخرى التي تشارك في الاهتمام بها أو التعامل معها دول أخرى في القمة، فتصدر القرارات في شأنها مشاركة بين الولايات المتحدة وهذه الدول، وهي مجموعة ليست بالضرورة ثابتة لا تتغير. تارة تتكون من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وتارة من بريطانيا وفرنسا وحدهما وتارة يقتصر التشاور والمشاركة على بريطانيا وحدها. أما الطبقة الثالثة في مجتمع القيادة فتضم إلى جانب الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن خمس عشرة دولة أربع منها كانت أعضاء في مجموعة الدول الصناعية الثماني، وإحدى عشرة دولة أغلبها من دول الجنوب، بعضها دول من أصحاب الفائض المالي الكبير وبعضها صاعد في النمو كالهند والبرازيل والصين. هذه الشريحة الواسعة من الدول، أي الدول الخمسة عشر، لن تحظى بحقوق القيادة أو واجباتها التي تحظى بها الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن. ستبقى هذه الدول، كما كانت مجموعة الدول الثماني، تقدم المشورة إلى الدول أو الدولة القائد في النظام مرة كل عام، وتمنح الشرعية للغرب في استمرار قيادته للعالم. واعتقد أن الولايات المتحدة كقائد أول بين قادة أوائل، ستكون حريصة على أن تغرس شعوراً لدى الدول التي انضمت حديثاً كروسيا في بادئ الأمر ثم الصين والآن الدول الناهضة، بأنها تشارك في اتخاذ قرارات وليس فقط بإعطاء الرأي والمشورة. ولا يخفى الغرض من ذلك. إذ أنه حين تتأكد الدول الناهضة من صدقية وظيفتها ومكانتها في القيادة فالمتوقع أن تبذل جهداً لتكون أكثر كفاءة وقدرة على التأثير في محيطها الإقليمي لمصلحة أهداف القيادة الأعلى والعقيدة السائدة.
تكشف عن هذا التصور قراءة متأنية للشكل الجديد للقيادة الدولية على ضوء أحداث الأسبوعين الأخيرين كما تكشف عن خلل «خلقي» فيه. يعرف المسؤولون في كل الدول أعضاء جماعة العشرين أن «طرفاً هائماً» يقيم وسط جماعة الخمسة عشر وجماعة الخمسة وفى قلب القيادة الأعلى التي تجسدها الولايات المتحدة، انه الطرف الإسرائيلي ممثلاً في شبكة منظمات وشخصيات يهودية منتشرة في كل دول العالم ، يحاول أن يفرض رأيه ونصيحته ومشورته ولكنه يشارك في صنع القرار الدولي منذ أن زرع قيماً صارت قواعد وقوانين دولية بعضها أهدر حقوقا عالمية مثل الحق في حرية التعبير وتغيير المعتقدات. من هذه المغروسات القواعد والقوانين المتعلقة بقضية محرقة اليهود وإنكارها. وأظن أن العالم الغربي لم يجد أفضل من هذه القوانين والقواعد للتغطية على كافة المذابح والجرائم الدولية الأخرى التي ارتكبتها وتستعد لارتكاب أشنع منها دولة إسرائيل. أضف إلى المحرقة قضية العداء للسامية وستجد أمام كل دول العالم سيفاً مسلطاً على رقاب كل رجال السياسة والفكر والثقافة بحيث لا يجرؤ أحدهم على انتقاد ممارسات إسرائيل العنصرية. هكذا أيضاً يجري تطهير المؤسسات الدولية من القيادات الناقدة لسياسات دولة إسرائيل وخروقاتها المتكررة للقانون الدولي وقوانين الدول بحمايتها للمجرمين اليهود وتزييفها للتاريخ في منطقة الشرق الأوسط. لقد تردد الشيء الكثير عن أوجه القصور في المرشح المصري لمنصب المدير العام لليونسكو الوزير فاروق حسني، وبعضه إلى جانب القصور المزمن في الأداء السياسي والديبلوماسي المصري مسؤول إلى حد كبير عن هزيمته أمام منافسته البلغارية، ومع ذلك تبقى الحقيقة قائمة وليست محل خلاف كبير، وهي أن الرجل مدان من قبل إسرائيل بسبب ما اعتبرته خطأ ارتكبه في حقها.
أصبح أيضاً في حكم القاعدة القانونية الدولية حق إسرائيل في مطاردة أي دولة تمتلك سلاحاً يحد من فعالية يد إسرائيل الطويلة الممتدة دائماً لضرب أي قوة صاعدة في الشرق الأوسط وفي وسط آسيا والقوقاز. وأعتقد أنه لا توجد دولة خارج مجموعة الدول العشرين تمتلك من أدوات الاختراق داخل هذه المجموعة ما تمتلكه إسرائيل من أدوات، وما تسيطر عليه من قواعد نافذة في قطاعات المال والإعلام والفكر وأجهزة الاستخبارات. بمعنى آخر تستطيع إسرائيل تقييد حرية إرادة هذه الدول في اتخاذ قرارات باستخدام طرق نفاذ متعددة داخل مجتمعات هذه الدول و «إجبار» هذه الدول على اتخاذ مواقف لا تتناسب وأهدافها وطموحاتها القديمة واتخاذ مواقف متأثرة بتطابق مصالح معينة نجحت إسرائيل في فرضها ليس فقط في دول القمة الدولية ولكن أيضاً في دول ليست قليلة العدد في العالم العربي والإسلامي. من هذه المصالح ما يتعلق مثلاً بالموضوع الإيراني والحرب ضد العراق والاستعدادات الجارية لحرب عالمية ضد الأمة الباكستانية ومثل الحرب على غزة والحرب ضد لبنان ومثل قضية جورجيا ودارفور ومياه النيل والقرن الأفريقي والفتنة المذهبية في العالم الإسلامي.
رأينا أوباما يتراجع أمام إسرائيل، وهو الزعيم الأميركي الأوفر شعبية في التاريخ المعاصر، ورأينا دولاً عربية كبيرة تتودد إلى إسرائيل لتسمح لوزير مصري بالفوز في انتخابات اليونسكو وأخرى تتودد إليها لإسقاطه، ورأينا العديد من قادة العرب يرمون هزائمهم وراء ظهورهم مستسلمين لواقع أليم شاركوا في صنعه ويشاركون الآن في ترسيخه.
لا شكل نهائياً للقيادة العالمية قابلاً للنجاح والصمود إذا لم تتوافر له الصدقية والقبول العام من جانب أكثرية الأمم. وما زال لدينا وقت وفرص لننضم إلى أمم في أميركا اللاتينية وأمم في أفريقيا وأمة المسلمين في آسيا ومغتربيها في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، وكلها أمم غاضبة على سلوكيات دول الغرب، وتريد أن تؤثر في شكل القيادة الدولية ومضمونها. لا الدور الإسرائيلي عصي على الانتكاس ولا إسرائيل تستطيع الاستمرار في سياساتها وتوسعها من دون الغرب، ولا الغرب يستطيع التحكم بأمن النفط ومصالحه الأخرى من دون القوة العسكرية والاستخباراتية المتوافرة لإسرائيل والجماعات اليهودية المجندة، ولا العرب والمسلمون جاهزون لإعلان نهايتهم.
* كاتب مصري




















