مهما قيل من "تفسيرات" بصدد الموافقة على "تأجيل" أو "سحب" تقرير غولدستون من التداول يبقى أن تلك الخطوة جاءت صفعة جديدة تضاف للموافقة على حضور اللقاء الثلاثي مع نتنياهو والرئيس الأميركي باراك أوباما.
لا شيء يمكنه إقناعنا بمبرّرات أو دوافع فالخطوة الجديدة كما نقرأها ليست إلا "تشاطرا" لا يحمل في الحقيقة إلا عكسه تماما، إذ هو أيضا يندرج في سياق "العلاقات العامة" الفاشلة سلفا، والتي لا تنتج إلا مزيدا من فتح شهية الطرف الآخر ومنحه حقوقا ليست له، بل لا تستقيم مع أي منطق أو حتى مع أية رغبة جدّية في توفير مناخ حقيقي لمفاوضات حقيقية.
مرّة أخرى تضعنا هذه الخطوة وجها لوجه مع عقلية سياسية يعتقد أصحابها بقدرتهم من خلال الممالأة على استقطاب السياسة الأميركية وإقناع الإدارة بتقدير "تضحيات" القيادة الفلسطينية والوقوف معها في مواجهة تعنّت الحكومة الإسرائيلية الواضح للعالم كله.
الغريب والمثير للحنق هنا أن هذه الخطوة من تقرير غولدستون تأتي في وقت مناسب دوليا لتشديد الخناق على السياسة الإسرائيلية، وإلحاق الخسائر الجدّية بها في المحافل الدّولية، ذلك أن الموافقة على "التأجيل" تضع الموقف الفلسطيني في درجة أدنى بكثير من مواقف قوى ودول كثيرة في العالم، ما يعني دفع مواقف هذه الدول إلى زاوية ضيقة للتراجع.
كان من اللافت في سياق ردود الفعل على موقف السلطة الفلسطينية الرفض الشامل الذي أبدته فصائل منظمة التحرير الفلسطينية دون استثناء بمن فيها حركة فتح، التي يبدو أنها اتخّذت أول مواقفها تمايزا عن السلطة منذ أخذت قرارا بذلك في مؤتمرها السادس الذي عقد أخيرا.
لقد بات واضحا أن الشأن المتعلّق بالمفاوضات، وما يتّصل بها من مواقف سياسية دولية لا يجوز أن يظل أسير حلقة ضيّقة من السياسيين، ما يفرض مشاركة جماعية من خلال مؤسسة سياسية تعدّدية، وفي الوقت نفسه إخضاع هيئة المفاوضات للرّقابة والمحاسبة الجدّية كي لا تتكرّر مثل هذه المهزلة السياسية مرّة أخرى.
هي حالة تعيدنا لرؤية واقع السياسة الفلسطينية إذ تعيش حالة الانقسام، كما ترهّل المؤسّسات ووقوعها في حالة "تسيير أعمال" ينوب خلالها عدد قليل من السياسيين عن الكلّ الوطني، ما يسمح بإيقاعنا جميعا في مآزق متلاحقة تزيد من تآكل الموقف التفاوضي الفلسطيني المتآكل أصلا.أصحاب هذه الذهنيّة التفاوضية ينطلقون من فكرة أن الموقف الفلسطيني لا يملك أية أوراق، وأنه مضطر للموافقة على كلّ شيء وأي شيء كي لا يقال أنه هو الذي يعرقل مسار التسوية السياسية، رغم أن الواقع يقول بشكل صارخ أنه لا توجد أصلا عملية سياسية، وأن إعلانات الرئيس الأميركي باراك أوباما هي التي تحتاج إلى تفعيل في المواقف وليس السياسة الفلسطينية، خصوصا وقد ظهرت للعالم غير مجدية حتى اللّحظة في مواجهة "صمود" رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو.
يحتاج الفلسطينيون الى تجاوز انقسامهم وتوحيد صفوفهم وبلورة موقف سياسي تفاوضي واضح ولا يخلط بهذه الصورة البائسة بين التكتيك والإستراتيجية فلا يحصد سوى الخيبة تكتيكيا واستراتيجيا.كما يحتاجون إلى الحد الأدنى من الثقة بالنفس وبامتلاك أوراق كثيرة حيوية وبالغة التأثير لعلّ في مقدمها حاجة السياسة الأميركية إلى سلام الشرق الأوسط.
"المستقبل"




















