نصير الأسعد
في انتظار ما سيؤول اليه الحراك الداخلي لتشكيل الحكومة في ضوء القمة السعودية السورية ونتائجها "الفعلية"، وفي انتظار أن تتحقق ربّما تمنيات رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بتأليف الحكومة اللبنانية سريعاً، وفي خضمّ أحداث كبيرة وكثيرة في لبنان والمنطقة والعالم، برز في الأيام القليلة الماضية حدثٌٌ عالمي شديدُ الأهمية.. والدلالات.
لقد تمّ منحُ الرئيس الأميركي باراك أوباما جائزة نوبل للسلام. في العادة تمنحُ الجائزة لشخصية مرموقة عن عمل محدد ما أنجزته. غير أن الجائزة على ما يبدو مُنحت هذه المرّة للرئيس أوباما عن مجموعة من "المثُل والقيم" التي يحملُها.
أوباما: العدالةُ الداخلية والعدالة الدولية
بالفعل، فإن "ظاهرة أوباما" لا تُختزل بكونه أول رئيس أسود للولايات المتحدة. ذلك أن أوباما وبسرعة، ربط ولايته الرئاسية التي لا تزال في بداياتها بمجموعة من العناوين الإستثنائية "الجاذبة". ويمكنُ اختصارُ العناوين كلها بعنوانين مركزيَين: العدالةُ داخل الولايات المتحدة والعدالةُ على الصعيد الدولي أو عدالةُ النظام الدولي.
العدالةُ الاجتماعية داخل الولايات المتحدة جرى صوغُها في قوانين إصلاحية عدة يبقى أبرزها القانون المتعلق بالمسألة الصحية.
السلام في الشرق الأوسط.. وإنتهاء الأحادية
أمّا العدالةُ على الصعيد الدوليّ، والتي من البديهي أن تستقطب غير الأميركيين بشكل رئيسي، فلقد ترجمها الرئيس أوباما بمواقف عدة ومعادلات جريئة.
بالإضافة الى برنامج الانسحاب من العراق وخطته، أطلق أوباما مبادرةً "جدية" للسلام في الشرق الأوسط. وأرفق مبادرته السلمية بمبادرة أخرى للحوار بين الحضارات والثقافات والأديان. وأكد في غير مناسبة "إيمانه" بعالم خالٍ من "العنف" ومن وسائل هذا العنف بما في ذلك السلاح النووي وسلاح الدمار. والأكثر أهمية من كل ما سبق ذكره أن أوباما، وخصوصاً في خطابه الإفتتاحي للجمعية العمومية للأمم المتحدة في أيلول الماضي شدد على إنتهاء "الأحادية" على مستوى النظام الدولي، مؤكداً على التشارك "العادل" بين الدول في صنع مستقبل العالم.
"التطرّف" الإسرائيلي وغيره
أوباما العدالة الاجتماعية داخل بلاده، والسلام والحوار و"اللاعنف" والتشارك على الصعيد الدولي، اصطدم منذ تولّى الرئاسة قبل نحو تسعة أشهر، بمختلف منوعات التطرف.
إصطدم بـ"التطرف" التشدد داخل الولايات المتحدة. واجه إنتقادات داخلية متطرفة لسياساته كافة. وإصطدم بـ"التطرف" الإسرائيلي في مجال مبادرته السلمية. وإصطدم بـ"التطرف" الأصولي. وبـ"التطرف" تحت مسمّى "التحرر الوطني" في "أمكنة" عدة. واصطدم بـ"التطرف" الإيراني بالرغم من عدم استهدافه إيران بذاتها وبالرغم من إستعداداته الحوارية. وإصطدم بـ"مراكز الإرهاب" في أصقاع عدة من العالم.
مبادئ ـ قيم "تعود" من جديد
لماذا هذا "التكارم" في الإشادة بباراك أوباما؟
هو بالتأكيد ليس دفاعاً عن استحقاق أوباما "جائزة نوبل"، وليس نقاشاً في معايير الجائزة في حد ذاتها.
إن الإشادة السالفة الموضوعية بـ"القيم" التي حملها أوباما ويحملها وبالمواقف التي يعبّر عنها، تهدفُ الى تسليط الضوء على حقيقة "تاريخية".
ذلك أنه، ومنذ عقود طويلة لم تتجسد مبادئ العدالة والسلام والحوار واللاعنف، ليس فقط في إدارة أميركية بذاتها، لكن لم تتجسد ايضاً في دولة معينة، أو في نظام معين.. أو في زعيم بعينه.
منذ فترة بعيدة، لم يعُد ثمة "حركة عالمية" تقوم على المبادئ التي يلتصق بها أوباما منذ شهور. لم يعُد ثمة "يسار" في هذا المكان أو ذاك من العالم يحملُ هذه المبادئ ويدافع عنها. ومن غير دخول هو أصلاً غير إلزامي في بحث عن مآلات "يسار" هنا و"يسار" هناك، أو في بحث عن "يسار تشافيزي فولكلوري" مثلاً، يمكنُ القول إن زمناً طويلاً إنقضى قبل أن تعود هذه المبادئ لـ"تطل" من..أميركا هذه المرة.
حنينٌ سياسي ـ ثقافي
من هنا، فإن الإشادة الآنفة بالرئيس الأميركي وبـ"المبادئ القيم" التي يحمل، تنطوي ربّما على شيء من "الحنين" الى زمن كانت فيه هذه "المبادئ القيم" ضمن الصراع السياسي الثقافي على غير صعيد. حنينٌ "باسم" أجيال في لبنان وغيره الى زمن كان فيه حراك إنساني صاخب، كان فيه كثيرون يخرجون من فراغ أوضاعهم القاتل الى رحاب ديناميات سياسية ثقافية في العالم، كانت فيه "مُثل" تختلطُ في إطارها "جنسيات" شتى. إنها إشادة تعبّر عن "حنين" معيّن، لكنها تعبّر عن تطلع الى "مثال" أيضاً.. الى "مثال" قادر، أي "مثال" في موقع القدرة.
"يسارٌ ما"؟
لا يدري المرء ما إذا كان القول إن باراك أوباما يمثّل "يساراً" ما يُبعث حياً من جديد، دقيقاً بالمعنى الفكري الثقافي. هو بالتأكيد "على يسار" سياسات ومعادلات ومواقف سادت في العقود الماضية وتسود اليوم. وهو بالتأكيد "أعمق" من مجرّد "ظاهرة". وهو بالتأكيد يمثل "مشروعاً" إنسانياً أخلاقياً. لكن بماذا "يُسمّى"؟.
إنه "حالة القرن الواحد والعشرين". وملايين الناس عبر الكرة الأرضية يتوقون الى أن ينجح الرئيس باراك أوباما في تنفيذ المبادئ القيم التي يتمسّكون بها. وثمّة لهذه الملايين اليوم "مثال" أكانت معه جائزة نوبل أم لم تكن.




















