– اسطنبول
مارتا أوتافياني صحافية ايطالية مقيمة حالياً في اسطنبول.
طلبت "قضايا النهار" منها التعليق على الاتفاق التركي – الارمني فارسلت هذه المقالة وترجمتها نسرين ناضر عن الانكليزية.
لا يمكننا أبداً أن نقول "انتهى الأمر" عندما نتحدّث عن تركيا. كان يوم السبت تاريخياً بالنسبة إلى تركيا وأرمينيا ومنطقة القوقاز برمتها، لكن الآن يجب توخي مزيد من الحذر. لقد وقّع وزير الخارجية الأرمني إدوارد نالبانديان ونظيره التركي أحمد داود أوغلو بروتوكولاً مهماً لتطبيع العلاقات بين البلدَين بعدما انقطعت منذ عام 1993. لكن كانت هناك مفاجأة أخيرة. كانت المفاوضات على وشك الفشل، والسبب هو خلاف في الرأي حول الجزء الأخير من النص، وكان على هيلاري كلينتون أن تبذل جهوداً حثيثة لتسوية الوضع.
إذاً هناك الآن بروتوكول ويجب إيجاد طريقة لتطبيقه كما يجب. إنها النقطة الأساسية في اللحظة الراهنة. الخبر السيئ هو أن الأمر لن يكون سهلاً، أما الخبر السار فهو أن هناك مصالح كثيرة في المسألة، وليست فقط مصالح تركية وأرمنية. ولذلك يجب أن ينجح البروتوكول.
لكنني سأذكّر بالخطوات الأساسية التي سبقت هذه النتيجة المهمة.
العام الماضي، عندما لعب الفريقان التركي والأرمني مباراة كرة قدم في يريفان تحت أنظار الرئيس التركي عبدالله غول ونظيره الأرميني سيرج سركيسيان، وصفها أحدهم بـ"ديبلوماسية كرة القدم" مع نفحة من السخرية. اليوم، بعد عام واحد تقريباً، نستطيع أن نرى بوضوح نتائج تلك الخطوات. السبت الفائت، وقّعت تركيا وأرمينيا، ولو مع قليل من المشكلات، بروتوكولاً تاريخياً لتطبيع العلاقات الديبلوماسية بينهما. ووفقاً لنص البروتوكول، سوف تحسّنان علاقاتهما الثقافية والسياسية والاقتصادية والتجارية. وسوف تحاولان أيضاً إنشاء لجنة للتوصّل إلى اتفاق حول ما جرى عام 1915.
سأتوقّف بإيجاز عند هذه المسألة. من جهة تقول أرمينيا والجزء الأكبر من المجتمع الدولي إنه في عام 1915، قتلت تركيا أو بالأحرى الأمبراطورية العثمانية عمداً وعن سابق تصور وتصميم مليون أرمني على الأقل لأنهم ليسوا مسلمين. كان هذا نتيجة انتشار النظريات التركية والعثمانية التي زادت الأجواء شحناً خلال الانتقال من المرحلة الأخيرة من الأمبراطورية العثمانية إلى الجمهورية التركية. لكن لطالما عارضت تركيا هذه النظرية، وقدّمت رواية أخرى عن الأحداث. تقول تركيا إن الأرمن اضطُروا إلى مغادرة منازلهم بسبب المشكلات الأمنية وانتقلوا للعيش في منطقة حلب. وتتهم تركيا أيضاً أرمينيا وروسيا بقتل آلاف المسلمين. وهي مجزرة لم يحقّق فيها أحد قط. ما يسمّونه في تركيا "المجزرة الأرمنية المزعومة" يُعتبَر أول جريمة قتل مخطّط لها في القرن العشرين. لكن ثمة مسألة أخرى يصعب فعلاً حلها.
تريد تركيا في الواقع أن تتخلّى أرمينيا عن السيطرة على ناغورنو-كاراباخ، وهي منطقة أرمنية في قلب أذربيجان شهدت حرباً شرسة في التسعينات. وقد دعمت تركيا أذربيجان في هذه الحرب لأسباب إتنية ولغوية ودينية، إلى جانب الخلاف التاريخي مع أرمينيا. يذكر ان الغالبية التركية في اذربيجان شيعية المذهب (الاثني عشري) اما الاغلبية التركية في تركيا فهي سنية. والآن بعدما أصبحت أنقره مضطرة إلى (أم تريد بصدق) التعامل مع يريفان من جديد، يجب تصحيح بعض الظروف التي يمكن أن تشكّل عبئاً كبيراً على أرمينيا. لنكن صريحين. السلام صفقة جيدة لكل الفاعلين في هذه المسألة. إنه صفقة جيدة لتركيا لأنها تثبت بهذه الطريقة أنها تبذل كل الجهود الضرورية للانضمام إلى نادي بروكسل. والسلام صفقة جيدة لأرمينيا لأنه يمكّنها من التحرر من الاعتماد على روسيا ويتيح لها الانضمام إلى كل الطرق التجارية والاستراتيجية في القوقاز، الأمر الذي سيكون مهماً جداً في المستقبل المنظور. لكن السلام هو أيضاً صفقة جيدة للولايات المتحدة وروسيا.
تستطيع إدارة أوباما الجديدة أن تبتهج لأنه لم يعد عليها التعامل مع الاعتراف الرسمي بالإبادة الأرمنية والضغوط من الجالية الأرمنية. ومن جهتها روسيا مسرورة جداً بمنح دور جديد لأرمينيا، فبهذه الطريقة يصبح موقع الجمهورية القوقازية الثالثة، جورجيا، أكثر انكفاء بكثير من السابق. ونعرف المشكلات الكثيرة التي وقعت بين جورجيا وروسيا في الأشهر الأخيرة. ويمكن أن تكون هذه أيضاً فرصة جيدة لأذربيجان حيث قد تتم تسوية الوضع في ناغورنو-كاراباخ، وقد تكتسب البلاد أهمية على رقعة الشطرنج الدولية. تملك باكو مورداً مهماً هو الغاز، ويستطيع الجميع أن يكونوا واثقين من أنها ستستعمله إذا شعرت أن هناك خطباً ما في البروتوكول.
تعرف تركيا ذلك جيداً. وقد قال أردوغان ذلك، فهو أعلن أنه على الرغم من التوقيع، سوف تستمر تركيا في أخذ الموقف الأذري من ناغورنو-كاراباخ بالاعتبار.
ماذا عسانا نقول؟ أولاً لنستمتع بهذا التوقيع المهم. وثانياً لنأمل أن يكون كل شيء على ما يرام. إذا استطاع الجميع الإفادة من هذا الوضع، يمكننا حتى أن نسمّيه سلاماً.
"النهار"




















