من الصعب التقليل من اهمية واحتفالية اللحظة التي جلس فيها حول الطاولة في مدينة زوريخ وزير الخارجية التركي، ووزير الخارجية الارميني، ووقعا على اتفاق سلام تاريخي بين الدولتين..
صحيح أنه لم تسد حالة حرب بين تركيا وارمينيا، لكن كان بينهما نزاع مصيري مشبع بالكراهية يعود الى مائة عام.. بداية النزاع كانت في عملية القتل الجماعي التي تعرض لها الارمن على ايدي جنود الامبراطورية العثمانية إبان الحرب العالمية الاولى، واستمرت عبر السجال المرير والمتشدد بين احفاد الاحداث المأساوية.. فقد طلب الارمن من تركيا الاعتراف بأنها ارتكبت الجريمة، فيما حظر الاتراك على المثقفين حتى الاعراب عن التعاطف مع الارمن..
ادعت تركيا بان الارمن قُتلوا وطُردوا خلال المعارك، وانه حتى وإن قُتل الكثير منهم، إلا أن عدد الضحايا لم يتجاوز ال 300 الف قتيل.. في المقابل، يتطرق الارمن في كل منشوراتهم، ابحاثهم وابداعاتهم الفنية، الى حصول مجزرة جماعية، إبادة شعب بل وحتى إلى حدوث "محرقة" ذهب ضحيتها مليون ونصف قتيل.. الجدال الدائر بين الدولتين ادى الى شرخ حاد بينهما وألحق الضرر بهما معا.. رفض تركيا الاعتراف بالظلم تجاه الارمن قوض فرصها في الانضمام الى الاتحاد الاوروبي ومس بعلاقاتها مع الولايات المتحدة، بينما بقيت ارمينيا الفقيرة في العزلة.. الان، من دون الاتفاق على التفاصيل التاريخية، خطت الدولتان خطوة كبيرة نحو المصالحة..
المصالحة نفسها أهم من عناصرها التي ستولد حتما خلافات اخرى: وهي تدل على أنه حتى النزاعات طويلة الامد قابلة للحل، وان القيادة الحقيقية مستعدة لان تحدث تغييرا في تصورها ورؤيتها من أجل المستقبل.. فرئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان، قاد الأمور نحو المصالحة مع ارمينيا مثلما يحاول ان يحسن العلاقات مع اليونان وان يدفع الى الامام بحل النزاع في قبرص، بحكمة مثيرة للانطباع..
حتى لو كان الطريق الى حل حقيقي لا يزال بعيدا، فقد انتزع الطرفان من العلاقات بينهما الشوكة السامة المتعلقة بحصرية الرواية التاريخية واستخدامها كأداة للمشادات والسجالات الابدية.. اتفاق السلام بين تركيا وارمينيا يوفر إذن درسا مشوقا لاسرائيل والفلسطينيين، الذين يتحصنون وراء الروايات احادية الجانب واحادية البعد باسم العدل المطلق وحتى آخر قطرة دم.. الاتراك، الذين سيطرت امبراطورية ابائهم العثمانيين على منطقتنا لمئات السنين، فتحوا لنا كوة للامل..
("هآرتس"12/10/2009)
افتتاحية
ترجمة: عباس اسماعيل
المستقبل




















