وفي المقابل، يبدو أنّ انتقاد إسرائيل بدأ يشق طريقه في أوساط النخب اليهودية في العالم، ولاسيما في أوروبا وأمريكا، فهذه النخب باتت تتبرأ من سياسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحملها مسؤولية ازدياد نعرة العداء لليهود في العالم، رافضة في ذلك ادعاءات إسرائيل المتعلقة بالمساواة بين أي نقد لها وبين " اللاسامية "، معتبرة نقد إسرائيل شرعيا ًوينسجم مع نقد أي اتجاه عنصري. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، حيث نفوذ الحاخامية اليهودية الإصلاحية والمحافظة، ثمة تبرم من سياسات إسرائيل.
وليست ثمة مبالغة في هذه المواقف، ففي إسرائيل ذاتها مواقف مشابهة: فإذا تركنا الاتجاهات اليسارية المؤيدة للسلام مع الفلسطينيين، فثمة أوساط عديدة باتت تبدي ميلاً للتبرم من السياسات الإسرائيلية، التي تنتهك أية معايير إنسانية وتفتقد لأي أفق سياسي. ومن المهم التعرف على أطروحات المدرسة التأريخية الإسرائيلية " ما بعد الصهيونية " التي يذهب روادها في كتاباتهم إلى أنّ على إسرائيل أن تختار ما بين حكم قائم على العرق والنبوءة الأسطورية الدينية " الماشيحانية " والديمقراطية الليبرالية ما بعد الصهيونية. ويرى رواد هذه الدعوة أنّ الصهيونية يمكن أن تتحول من مخطط لدولة قومية متجانسة عرقياً إلى مشروع أكثر تنوعاً مدني – ليبرالي – ديمقراطي إذا ما استطاعت تغيّرات العولمة تقويض العلاقة بين الإقليم والجماعة والانتساب لهما.
وهكذا، يمكن تفسير الإحجام الإسرائيلي عن الاستجابة لاستحقاقات عملية السلام بانقسام المجتمع الإسرائيلي على نفسه في هذا الموضوع. فعلى رغم الإجماع الإسرائيلي على أمن إسرائيل وهويتها اليهودية ورفض حق العودة للفلسطينيين والتمسك بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل والعلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، فإنّ ثمة طيفاً واسعاً من الخلافات في شأن مساحة الأراضي التي ينبغي الانسحاب منها وقضايا الحدود والمستوطنات والدولة الفلسطينية والتعاون الإقليمي.
ومن كل ذلك يتبين أنّ عملية السلام العربي – الإسرائيلي ليست سهلةً أو مسلماً بها، فثمة إشكاليات عدة تعاني منها إسرائيل وتجعلها حذرة وأكثر ميلاً إلى الإحجام عنها، وأهم هذه الإشكاليات تكمن في الجوانب الآتية:
1 – إنّ الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين ليس صراعاً بين الشعب الفلسطيني والدولة الإسرائيلية المغتصبة، فحسب، وإنما هو أيضاً صراع مع المجتمع الذي ينتمي لهذه الدولة، ويتماهى مع إيديولوجيتها وسياساتها. أي أنه لا يقتصر على الجوانب العسكرية أو الأراضي، وإنما يشمل الرموز والرواية التاريخية والمعتقدات الدينية، وهذا الصراع في الإدراك الإسرائيلي يبدو كأنه صراع على الأرض ذاتها، وعلى الوجود (يختلف عن الانسحاب من سيناء أو الجولان أو جنوب لبنان).
2 – الترابط بين الاستحقاقات الداخلية والخارجية، فالتسوية مع الفلسطينيين تتطلب من إسرائيل تعريف حدودها وهويتها ودورها، في المنطقة، وهو ما يفسر التعقيدات المتعلقة بهذه العملية. فالانسحاب من الأراضي الفلسطينية يقوّض أسطورة " أرض الميعاد " والاعتراف بالشعب الفلسطيني يقوّض أسطورة " أرض بلا شعب ".
3 – الطابع التاريخي والسياسي الملتبس لإسرائيل، فهذه الدولة لم تنشأ نتيجة التطور التاريخي الطبيعي للتجمع اليهودي في فلسطين، وإنما بفعل عمليات الهجرة الاستيطانية – الإحلالية، وعلى رغم إرادة أهل الأرض الأصليين، وبفضل القوة والهيمنة والعون الخارجي. وبسبب ذلك فإنّ إسرائيل، على خلاف الدول العادية، تتهرب من إيجاد أجوبة حاسمة على الأسئلة المطروحة عليها.
4 – طوال المرحلة الماضية اتضح أنّ قوى السلام الإسرائيلية غير ناضجة تماما لعملية التسوية، وأنّ حزب العمل تبنى التسوية للتكيّف مع المتغيّرات الدولية والإقليمية، ومع الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة لانتزاع أكبر قدر من المكاسب والمكافآت، من العرب ومن الولايات المتحدة، في مقابل الانسحاب من الأراضي المحتلة، على شكل قبول العرب برواية إسرائيل للصراع في المنطقة والدخول معها في علاقات وترتيبات أمنية وسياسية واقتصادية وأمنية ثنائية وإقليمية، وتعزيز العلاقة الإسرائيلية – الأمريكية. وهذا التيار ينطلق من دعمه للتسوية من واقع الحفاظ على إسرائيل وهويتها اليهودية وصورتها الديموقراطية، وهو يرى بأنّ الانسحاب من الأراضي المحتلة يجنب إسرائيل المخاطر الديموغرافية الناجمة عن وجود ثلاثة ملايين عربي في الضفة والقطاع، ويحافظ على " نقاوة " الدولة اليهودية ويخلصها من الأعباء السياسية والأمنية والأخلاقية الناجمة عن الاحتلال. وفضلا عن هذا الاتجاه، وبسبب من تطورات العولمة الاقتصادية والتغير في عناصر القوة لدى الدول، لم يعد يرى أنّ مساحة الدولة مهمة لاستقرار إسرائيل وازدهارها، بمقدار ما بات يرى ذلك في ميدان التطور الاقتصادي والتكنولوجي والعلمي، خصوصا بعدما ضمنت الولايات المتحدة الأمريكية أمن إسرائيل وتفوقها في المنطقة.
ومن المؤكد أنّ إشكاليات الثقافة السياسية لا تقتصر على الإسرائيليين، فحسب، فلهذه الثقافة إشكالياتها لدى الفلسطينيين، أيضا. وتتمثل هذه الإشكاليات، كما حددها الباحث الفلسطيني ماجد كيالي، في النواحي التالية:
1 ـ أنّ انخراط الفلسطينيين في عملية التسوية ناشئ: أولاً، من الصعوبات والتعقيدات المحيطة بهم: الفجوة في موازين القوى وفي المعطيات الدولية والإقليمية غير المواتية لهم بالقياس لإسرائيل. وثانياً، من الإحباطات التاريخية التي مروا بها في تجربتهم الوطنية. وثالثاً، من المعاناة اليومية التي يعيشونها. هكذا تنعكس عملية توسل الفلسطينيين للتسوية في وعيهم السياسي بكونها مجرد محاولة للتحايل على الواقع البائس، والخروج من دوامة الوضع الراهن، والتعويض عن الخلل في موازين القوى، أكثر من كونها محاولة لتجاوز مأساة الماضي والحاضر، والتأسيس لمستقبل جديد مفتوح الآفاق والأبعاد.
2 ـ بالنسبة لغالبية الفلسطينيين كانت عملية التسوية بمثابة عملية افتراضية يأخذون فيها حقوقهم بالتمام والكمال، على اعتبار أنهم تنازلوا عن جزء من وطنهم، فيأخذون الجزء الباقي ويبنون دولتهم ويعيدون اللاجئين إلى أرضهم وممتلكاتهم التي شُرِّدوا منها قبل نصف قرن. ولكنّ هذه التسوية العادلة والشاملة في حقيقتها هي تسوية متخيلة، ليس لها سند في عالم السياسة الواقعي الذي لا يعترف إلا بموازين القوى، أو بالمعطيات الدولية والإقليمية، التي قد تعوض الطرف الأضعف عن الخلل في القوى الذاتية.
3 ـ غالبا ما يتم التعامل مع قضية التسوية في إطار النصوص، أي الاتفاقات، التي يجري التوصل إليها بين الطرفين، بدلاً من التعامل معها في إطار موازين القوى الذاتية للجانبين والمعطيات المحيطة بهما. إزاء ذلك لا يوجد سبب يدعو أحد لاعتبار أية وثيقة على اعتبارها وثيقة مخلدة، وكأنها رسالة من السماء، وهذا ما ينبغي على الفلسطينيين أخذه بالاعتبار في مناقشاتهم الداخلية الصاخبة، لعل شيئا من العقلانية يهبط عليهم، بدلاً من اعتماد لغة التخوين والتكفير السهلة التي لا تخدم إلا امتهان كرامة الفلسطينيين وتسطيح عقليتهم السياسية وإثارة غرائزهم وزرع الشقاق في صفوفهم.
4 ـ في الواقع فإنّ النقاش الفلسطيني، من حول عملية التسوية، هو نقاش مبتور لأنه لا يصل إلى نهاياته المنطقية والطبيعية. فمثلا، حتى الآن، لا يوجد نقاش مكتمل أو ناضج حول حل " الدولة الديمقراطية العلمانية " ولا حول حل " الدولة ثنائية القومية "، ولا حتى حول حل الدولتين، وكل ما هنالك ليس أكثر من شعارات أو مناقشات جانبية.
5 – جاء قصور العقل الأصولي الفلسطيني ليردف قصور العقل السياسي الفلسطيني حين تم خطف الانتفاضة الثانية وعسكرتها، وتكفل إلغاء السياسة واعتماد العمليات الاستشهادية بوصول غلاة اليمين الاستئصالي والاستيطاني إلى الحكم في إسرائيل، وإلى دمغ المقاومة الفلسطينية عالميا بـ " الإرهاب "، وتدمير البنى التحتية، واحتلال مزيد من الأرض.
أما الموقف العربي فهو أقرب إلى الثقافة السياسية الفلسطينية، إذ يعتمد في كثير من مواقفه على قرارات ونصوص الشرعية الدولية بشكل عام، دون أن يدرك أنّ هذا الموقف هو شق واحد من المعادلة التي تفترض العمل على مستويات أخرى مكملة أبرزها الرأي العام العالمي في الدول المحورية على الساحة الدولية، ربما لأنّ الثقافة السياسية العربية على العموم لا تشمل في بنيتها " مادة " الرأي العام وكسب الشرعية والولاء من المواطنين بفعل إرادي وحر. كأننا نتصور الغرب يعمل بطرق الثقافة العربية، أنظمة يدين لها المواطنون بالولاء وراثةً أو وضعياً لمجرد أنها سلطة ؟ وهذا




















