" القديم يحتضر والجديد ولادته عسيرة "
(أنطونيو غرامشي)
الدكتور عبدالله تركماني
(3) – الموقف العربي
إنّ مشكلة النظام العربي مزدوجة: فهو إن فهم السياسة الأمريكية وأدرك مبتغاها, فإنه لا يستطيع مصارحة مجتمعاته بالأمور كما هي على حقيقتها من دون براقع وتوهمات. كما أنه لا يستطيع التعامل مع الاستحقاقات والتحديات التي توجبها هذه السياسة. فهو في وضع حرج, لا يمتلك القدرة على الانسحاب من عملية التسوية, على رغم كل الامتهان المتضمن فيها, لأنّ الخروج من هذه العملية سيفرض البحث عن خيارات أخرى, لا يستطيع توفيرها في ظل أوضاعه الذاتية, وفي ظل الظروف الموضوعية المحيطة به. وفي المقابل, فهذا النظام بات يدرك أنّ المضي في عملية التسوية, في شكلها الراهن, سيفضي إلى المزيد من الانحدارات التي ربما أضعفت من استقراره ومن مكانته, على الصعيدين الداخلي والخارجي، فقد ترتب على واقعة القبول العربي بالتسوية جملة من الحقائق من أهمها:
1 ـ أنّ العرب يدفعون ثمن التغيّرات الدولية حيث التسوية العربية – الإسرائيلية في المركز منها.
2 ـ أنّ الدور المرسوم للمنطقة العربية بات يأتي من العامل الخارجي، بما فيه الإقليمي، إذ هو الذي يقرر مصير المنطقة ومستقبلها. ومن البديهي أنّ ذلك يجري بغض النظر عن توافق هذا العامل مع مصالح الأمة أم لا، كذلك يجري بمعزل عما إذا كان ذلك يعبر عن متطلبات المستقبل في التطور الاقتصادي والسياسي والقومي للمنطقة، فالمصالح الاستراتيجية العليا للدول المؤثرة، هي الراسم وهي المقرر والمنفذ في النهاية.
ولعل هاتين الحقيقتين تفرضان على العرب، حكومات ونخباً ومؤسسات المجتمع المدني، أن يصيغوا برامج واقعية تربط بين الإصلاح وتحديات صنع السلام العربي – الإسرائيلي، فمن دون السلام فإنّ الإصلاح العربي سيفشل على الأرجح, ولكن مع السلام سيزدهر هدف الإصلاح العربي. ومن دون الديموقراطية فلن يكون هناك أساس للسلام, ولكن, إن اجتمع السلام والديموقراطية معا فسيكون المستقبل مشرقاً.
إنّ معاهدات السلام العربية مع إسرائيل التي تم إبرامها حتى الآن عكست نهجاً لإدارة الصراع بوسائل أخرى، وليس لحل الصراع أو تسويته على نحو شامل ودائم. ويبدو أنّ هذا النهج يعود إلى الفشل في حشد كل الإمكانات المتاحة للتعاطي مع التحديات التي يفرضها هذا الصراع بأكثر مما تعود إلى الفشل في اغتنام الفرص التي أتيحت لتسويته كما يعتقد البعض.
لقد جاءت قمة بيروت في مارس/آذار 2002 وبدا الاهتزاز واضحاً من أثر أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 وعلامة استفهام كبيرة تطوق قاعات المؤتمر بعدما اتهم العرب والمسلمون بأنهم الضالعون في هذه الأحداث، وأنّ العالم العربي أصبح ساحة للانتقام وأنهم أصبحوا كبش الفداء أمام الانتقام الأمريكي. وللحق، فإنّ قمة بيروت العربية حاولت المحافظة على ثوابت الموقف العربي عامة، ولو من الناحية النظرية، لكنّ الطموح الذي سيطر عليها كان مفارقاً تماماً للهوة التي كان العالم العربي ينزل إليها. يكفي أن نشير إلى أنه في الوقت الذي تواضعت المواقف العربية العملية، فإنّ قمة بيروت قدمت مبادرة بالغة الطموح لقيت تحدياً إسرائيلياً مكشوفاً ومساندة أمريكية مستترة لهذا التحدي، مما يكشف عن الفارق بين طموح المبادرة، ومدى ملاءمة البيئة الإقليمية والدولية لاستيعابها.
لقد كان على قمة بيروت أن تضع مشروع آلية تنفيذية للمبادرة السعودية، فلو حدث ذلك لتم قطع الطريق على كل المبادرات التي تلتها، بما فيها " خريطة الطريق " التي ابتلعتها " خريطة السور " ثم التفت عليها مبادرة شارون للانسحاب من غزة. لقد أصبح بإمكان إسرائيل، بمباركة أمريكية، اللعب على المسار الفلسطيني مرة، وعلى المسار السوري مرة.
فمع إعلان شارون نيته في الانسحاب من غزة كان لا بد من بروز أفكار جديدة تحل محل فكرة الدولة الفلسطينية، وما لبثت هذه الأفكار أن جاءت سريعاً، وعلى قاعدة حل إسرائيلي ـ عربي بدل الحل الإسرائيلي ـ الفلسطيني، واندفعت إلى الواجهة فكرة العودة إلى ما كان عليه الحال عشية الحرب عام 1967، حيث كان قطاع غزة تحت الإدارة المصرية، بينما كانت الضفة الغربية تابعة للأردن. وقد تسللت هذه الفكرة إلى صلب الموضوع تسللاً هادئاً ناعماً يكاد يخفي الهدف الأساسي منها. وبدأت إسرائيل مفاوضات مع مصر على قاعدة هذا التصور، ولكنّ مصر ارتأت صيغة للعمل تختلف عن الصيغة الإسرائيلية، تقوم على أساس المشاركة الفلسطينية ـ المصرية في بلورة وضع أمني مستقر في قطاع غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي، وتضمن هذه الصيغة من حيث المبدأ ألا يتم استبعاد الفلسطينيين نهائياً من عملية التسوية. إلا أنّ هذه الخطوة المصرية الإيجابية لم تستطع أن تستبعد الشرط الأمريكي ـ الإسرائيلي الأساسي بضرورة إبعاد الرئيس عرفات، شخصياً وقيادياً ورؤية سياسية، عن مضمون الحل، وهو مضمون تمت ترجمته بنزع صلاحيات الرئيس عرفات الأمنية، ومن ثم التخلص منه جسديا.
وفي الواقع فقد اعترف العرب في أكثريتهم الساحقة، ومنذ زمن طويل، بإسرائيل كلاعب على مسرح الشرق الأوسط، بل اعترفوا بها كلاعب أعدوا أنفسهم للتعامل والاتفاق معه على أساس شروط معينة. لكنهم لم يعترفوا ولن يعترفوا بإسرائيل كلاعب مهيمن، وهم لم يقبلوا ولن يقبلوا يوماً بالاحتلال الإسرائيلي في عام 1967.
(4) – مواقف المجتمع الدولي
من الواضح أنه إذا بادر أي من الطرفين العربي والإسرائيلي إلى السلام، فإنّ المبادرة لن تكتمل إلا بمشاركة أطراف خارجية أخرى، لا بد أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية من بينها. ويمكن تفسير الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية والمفارقات والتعقيدات المحيطة بها، بأسباب عديدة، أهمها:
أولاً ـ منذ نشوئها كانت القضية الفلسطينية قضية دولية بامتياز، وبغض النظر عن نصيب الحركة الصهيونية في إقامة دولة لليهود في فلسطين، فإنّ الجهد الدولي هو الذي مكّن هذه الحركة من النجاح في مشروعها وضمان استمراره وتطوره.
ثانياً ـ تستمد القضية الفلسطينية عالميتها أيضا من العدو نفسه الذي تواجهه، فالمسألة اليهودية باتت مسألة عالمية منذ أواخر القرن التاسع عشر، بحكم التطورات في أوروبا، وازدادت عالميتها بعد الحرب العالمية الثانية.
ثالثاً ـ تستمد القضية الفلسطينية عالميتها من الموقع الجغرا – سياسي الاستراتيجي الذي احتلته فلسطين في استراتيجيات الدول الكبرى وفي الصراع بين الدو




















