اعتبر الدكتور محمد البرادعي مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية في حوار أجرته معه صحيفة "دي برسا" النمسوية، قبيل انعقاد مؤتمر فيينا، بأن جلوس الأطراف حول طاولة، لإجراء حوار مشترك، يعتبر خطوة أولى لإعادة الثقة في ما بينها، ولإزالة الجمود والشكوك التي استمرت منذ ما يقارب السبع سنوات تاريخ تكشف حقائق حول نشاط نووي إيراني سري. ودعا الى مواصلة المحادثات وصولاً لإبرام اتفاق يفتح الباب لمزيد من المحادثات… مستبعداً أية نتائج ايجابية عن طريق التهديد بفرض عقوبات جديدة أو عن طريق فرضها بالفعل، معتبراً بأن "الحوار المباشر ومن دون شروط مسبقة" والذي كان اقترحه الرئيس الأميركي، يشكل الوسيلة الأنجع للتعامل مع الملف النووي الإيراني. وكانت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون التي قامت في وقت سابق، بزيارة لروسيا تحضيراً لمؤتمر فيينا عادت بتوصيات روسية جديدة قديمة، من نوع أن "وقت العقوبات لم يحن بعد، وبأنها ربما تكون عديمة الجدوى في حال طبقت، أو قد تأتي بنتائج عكسية"، وبأنه يجب تركيز جميع الجهود حالياً على دعم عملية المفاوضات.
وارتكز البرادعي في تفاؤله على ردود فعل اعتبرها ايجابية صدرت عن الرئيس الإيراني بعد مؤتمر جنيف، بشأن استعداد الجمهورية الإيرانية لإبرام صفقة شراء الوقود المخصب بهدف إنتاج الطاقة ولاغراض طبية مختلفة، من أي دولة غربية وحتى من الولايات المتحدة… ولكن البرادعي لم يشر الى مسألة قبول إيران تسليم 500 كيلوغرام فقط من اليورانيوم المنخفض التخصيب (4%)، بهدف تخصيبه في روسيا ومن ثم في فرنسا لاغراض طبية وغيرها، ولم يتوقف عند رفض إيران الانصياع لإرادة المجتمع الدولي الذي يطالبها بتسليم الـ1200 كيلوغرام من اليورانيوم الإيراني الضعيف التخصيب من أصل 1500 كيلوغرام الذي تمتلكه إيران، أي ما يقارب الـ80% من مخزونها، لتخصيبه الى مستوى الـ20% المطلوب لهذه الاغراض السلمية. والجدير بالذكر هنا أن مؤتمر جنيف كان قد وضع تاريخاً نهائياً للرد الإيراني على هذا المقترح في نهاية تشرين الاول الحالي، على أن تعمل إيران على برمجة خروج اليورانيوم المنخفض التخصيب قبل نهاية هذا العام من أراضيها.
وفيما تتوقع مصادر غربية تمسك إيران بحقها بالتخصيب وبعدم تسليمها اليورانيوم المنخفض التخصيب طارحة بدائل شراء اليورانيوم العالي التخصيب، من المفترض أن يكون خط الدفاع الأول للدول الكبرى عدم السماح لإيران بذلك. فطهران أخفت طويلاً نشاطاتها التخصيبية، كما أنها لم تفصح عن تشييدها لمفاعل "قم" إلا قبيل مؤتمر جنيف وعندما استشعرت أن مسألة اكتشافه من قبل المجتمع الدولي والتي تمت بواسطة الاقمار الاصطناعية، سوف تطرح على طاولة البحث. فلقد اعتمدت إيران السرية عندما قامت بإنشاء كل مفاعلاتها النووية في ناطانز وطهران وبوشهر وغيرها، والمجتمع الدولي الذي اعتمد خيار الحوار والديبلوماسية بعد انتخاب الرئيس أوباما ومع مجيء الإدارة الجديدة، عليه أن، يستعد لمفاجآت جديدة، لأنه في غياب الشفافية من قبل طهران وفي انعدام الثقة بينها وبين المجتمع الدولي، ليس بمقدور المفتشين الدوليين اكتشاف كل ما يمكن أن تخفيه إيران من منشآت، وفي أماكن مختلفة في إيران.
في الحقيقة أصبح الوقت يداهم إيران اليوم. واليد الممدودة من قبل المجتمع الدولي اليوم قد تكون الخيار الأوحد المتبقي في ظل تنامي الأزمة الداخلية. إن النظام في طهران بات أضعف وكل يوم يمر على حالة التأزم الداخلي، وعلى تفاقم الأوضاع المعيشية وزيادة البطالة وظلامية تعامل السلطة مع الاحتجاجات في الجامعات أو الشوارع، يدق أسفيناً إضافياً في أسس النظام. في المقابل قد يشكل بناء الثقة بين المجتمع الدولي وإيران، الأرضية الملائمة حيث يمكن للتفاوض أن يكون ناجحاً وفاعلاً. ولكن بناء الثقة مع المجتمع الدولي يبدأ من الداخل، من داخل إيران، أي من استتباب الثقة بين الشعب ونظامه. المجتمع الدولي لن يستطيع تصديق إيران ما لم يسبق ذلك تصديق الشعب الإيراني لقادته. وعندما تتحول إيران الى النظام الديموقراطي حيث يساهم المواطن في مراقبة نهج وسياسة السلطة القائمة، لن يحتاج المجتمع الدولي لبذل كل هذا المجهود لمراقبة برامج غير مسموح بها دولياً. فالشعب الحر والمنعتق من نير التخويف والترهيب، يشكل خير مراقب ورادع للتجاوزات. والكرة اليوم هي بين يدي الشعب الإيراني، والمراهنة هي على مدى إدراكه لحاجاته وأولوياته الحياتية، حيث لن يكون ربما البرنامج النووي في مقدمها.
"المستقبل"




















