( بروفيسور ورئيس قسم دراسات الاسلام والشرق الأوسط في الجامعة العبرية بالقدس)
لا ينبغي لأحد أن يتفاجأ من قرار وزارة التعليم الذي ينص على أن تُجمع من المكتبات كل نسخ كتاب التعليم الجديد في مادة التاريخ،" نبني دولة في الشرق الأوسط"، بسبب تضمنه مقاطع غير مناسبة للتدريس ظاهريا. ذلك أن تاريخ كتب تدريس التاريخ يشير إلى أن كل جيل جديد من الكتب ترافق مع انتقاد عام، وفي حالات متطرفة تم إلغاء بعض الكتب، لكن ردود الأفعال هذه لم تغير الاتجاه التاريخي ولم تمنع نشر أجيال جديدة من الكتب.
في سبعينيات القرن الماضي، على سبيل المثال، نُشر كتاب تعليمي في موضوع النزاع الإسرائيلي- العربي، منح التلاميذ رؤية أوسع للنزاع من وجهة النظر العربية. وقد وُصف الكتاب بوصف غير مناسب " كتاب معاد للصهيونية". في ثمانينات القرن الماضي، أُثيرت انتقادات لأن كنب التدريس " تُغيب" البطولات الصهيونية ( لا سيما اسطورة تل حي). وكانت الذروة في العام 2000، عندما قررت لجنة التعليم التابعة للكنيست رفض كتاب التعليم للصف التاسع، الذي ألّفه داني يعقوب، لأنه " غابت عنه فصول مهمة عن تاريخ المحرقة، الصهيونية ودولة إسرائيل".
في الحالة التي نحن بصددها، يتعلق الأمر بكتاب من إصدار مركز زملن شيزر. ففي الجزء المتعلق بنشوء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، اختار الكتاب التطرق من ثلاث وجهات نظر مختلفة إلى السؤال التالي:" ما الذي تسبب في خروج اللاجئين الفلسطينيين من المنطقة الخاضعة للسيطرة اليهودية، هروب أم طرد؟".
وجهة النظر الأولى مأخوذة من كتاب يوحنان كوهن، الموظف في قسم الدعاية التابعة لوزارة الخارجية؛ وجهة النظر الثانية تعود إلى وليد خالدي، المؤرخ الفلسطيني؛ والثالثة تخص بني موريس، مؤرخ إسرائيلي تظهر أجزاء من كتابه حول نشوء مشكلة اللاجئين في كل كتب التعليم الإسرائيلية منذ نهاية التسعينيات. ومن المؤكد أن الجزء الذي اثار الخلاف هو الجزء المأخوذ من كتاب المؤرخ الفلسطيني، الذي اقتبس ما يلي:" الخطة دالت… كانت فرصة تاريخية ( لليهود) لتطهير أرض إسرائيل من العرب، لرفض التواجد العربي من خلال شطب هذا الوجود ببساطة". هذا المقطع، كما زُعم في الانتقاد الموجه إلى الكتاب، يمنح شرعية للادعاء الفلسطيني حول مسألة " التطهير العرقي" الذي قام به اليهود في حرب 1948.
يظهر فحص البرنامج الدراسي الجديد لمادة التاريخ أن هذا المقطع يتماشى مع التوجيهات التي تفيد بأنه في كل ما يتعلق بتنمية التفاهم والتسامح تجاه مشاعر، عادات وتقاليد وثقافات وأنماط الحياة لدى الآخر، ينبغي الاعتراف بـ" وجود وجهات نظر مختلفة ومقاربات مغايرة في كل موضوع، حدث أو عملية".
لكن جذور المشكلة أعمق بكثير. فكتب التعليم الحالية تعود إلى الجيل الثالث من الكتب التي صدرت منذ إقامة الدولة. فكل كتب التاريخ التي صودق عليها للاستخدام من قبل الجهاز التربوي الحكومي، تذكر النكبة بهذه الصورة أو تلك. وهي تقدم النكبة باعتبارها تعبيرا عن وجهة النظر الفلسطينية تجاه حرب 1948. وجهة النظر هذه تحمل في طياتها اتهاما لليهود بالكارثة الفلسطينية.
هل ثمة ما هو مرفوض في تقديم وجهة النظر هذه؟ هل أن عرضها يُضعف وجهة النظر الصهيونية؟ ما أعتقده هو أن العكس هو الصحيح. فالتلميذ الذي يطلع على هذه المعلومات في الانتنرنت أو خلال اللقاء مع شاب عربي، سيضطر إلى التصدي للقضايا الصعبة التي أخفتها عنه الكتب الدراسية. لا شك في أنه من الأفضل التصدي المبكر لهذه القضايا بتوجيه من مدرس خبير في التاريخ. فلا يقع وزير التعليم ووزارته في إغراء إخفاء من كتب التعليم المقاطع التي تنشغل بوجهة نظر الآخر. مثل هذه الخطوة لن تجعل التلميذ أكثر صهيونية، بل اكثر جهلا.
("هآرتس" 20/10/2009)




















