ربما لا يحتاج المرءُ الى كبير عناء ليُكوّنَ انطباعاته الأولى عن الآخرين، بما في ذلك الانطباعات الخاصة بالسلطة وحاشيتها، خاصة إذا تصدرت تلك الحاشية المشهد السياسي والإعلامي لفترة طويلة كما هو الحال في أغلب أنظمتنا العربية السائدة. وعلى كل يمكن القول إن معرفة الأنظمة بالنظر إلى الحاشية المُحيطةِ بها أسهل، وتكوينُ انطباع أولىّ عنها أيسر.
ولعل من أهم الدروس التى يُمكن استنباطها من التّاريخ هو ذلك الدرس الأزليّ المتعلق بآلياتِ تكوين واستبدال وإعادة إنتاج "الحاشية" وفق "مزاج" الحاكم أو الرئيس. تلك الحاشية قليلة العدد كثيرة العتاد التي تُطيحُ، عفواً، تُحيط بالحاكم ـ لاحظ أنّ الحروف واحدة مع اختلاف الترتيب ـ تتمتعُ غالباً بتأثير شديد، خاصة في حال ارتباطها بحاكم ضعيف الشخصية منعدم الخبرة، أو في حال كان وجودها مرتبطاً بتحقيق مصالح اقتصادية وثيقة الصلة بنتائج القرارات السياسية.
وما دمنا في رحاب التاريخ بحقول ألغامهِ التي لا تنتهي ولمْ نُغادره بعْد إلى الوقتِ الحاضِر، فلنتوقف قليلا عند بعض محطاتهِ الرئيسية لنستكشف: كيف لعبتْ الحاشية برأس الحاكِم وأدتْ دوراً مهماً، سلبياً في أغلبِ الأحوال؟، وكيف أنها تأسستْ تاريخيّا بفعل "وعي السلطة بذاتها"، وهو وعيٌ أناني يهدف إلى مصلحته الخاصة أولاً، ومن ثَمَّ ينحاز انحيازاً تاماً لها (السلطة)، فلا يهمه "بناء الدولة" بقدر ما يهمُّه "بناء السلطة"، بل إنه عادة ما يرى في بنائها قيداً يُقيد السلطة ويُحدُ من تغولها!
وهو لهذا السبب يختزل الدولة في السُلطة ويتفننُ في بنائها (بناء السلطة لا الدولة)، وفي تدعيم قوة استخباراتها الأمنية، وفي التأكد من مدى سيطرة رجالها ومدى ولائهم للحاكم أولاً بأول.
وفي الواقع، فإنني عادة ما أتوقف أمام موقفين حدثا في تاريخنا الإسلامي وكان لهما أهمية خاصة في تحديد أو تحويل مسار هذا التاريخ. الموقف الأول، الذي يثير علامات استفهام كُبرى، يتعلق بالكيفية التي تم بها تحويل "الخلافة الراشدة" إلى "مُلك عضوض" على يد معاوية.
ولأننا نقيم وزناً كبيراً لصحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فإننا لا نفصِلُ في أحكامنا عادة بين ما هو "ديني" وما هو "سياسي". ومن ثَمّ، يعتبر بعضهم أن تخطئة أحد الصحابة، ولو من منطلق سياسي، أمر خطير جدا ينال من مكانتهم الدينية، وهو أمر غير صحيح بتاتًا.
وفي هذا السياق، يُحكى أنّ سعداً بن أبي وقاص دخل يوماً على معاوية، فقال: السلام عليكم أيها الملك. فضحك معاوية وقال: ما عليك لو قلتَ يا أمير المؤمنين؟ فقال سعد: تقولَهَا جذلان ضاحكاً؟ والله ما أحب أني وُليتها بمثل ما وليتها به!
غير أنّ الغلبة في بلاط ومعيّة معاوية، ومن أتى من بعده، لم تكن للأسف الشديد لمثل هذا النوع الناصح الأمين، وإنما كانت لصالح ممالئين من أمثال يزيد بن المقنع، الذي حسم المسألة بقولِه، وقد وقفَ يوماً: "أميرُ المؤمنين هذا ـ مشيراً إلى معاوية ـ فإن هلكَ فهذا ـ مشيراً إلى يزيد ـ فمن أبى فهذا ـ وأشار إلى سيفه" فقال معاوية: "اجلس، فإنك سيد الخطباء"!
الموقف الثاني يتعلق بالخليفة المقتدر بالله الذي بويع طفلاً ولما يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، وكان اختياره لأسباب وجيهة تمكن القائمين على الأمور بالحفاظ على مواقعهم، فليس من مصلحتهم المجيء بشخصية قوية تفرض نفوذها عليهم. وكان الوزير العباس بن حسن قد اختاره من بين المرشحين، وقد استشار محمد بن داود الجراح فأشار عليه بعبد الله بن المعتز، واصفاً إياه بالعقل والأدب والرأي.
وحين سأل أبي الحسن بن الفرات قال: أصلح الموجودين جعفر بن المعتضد (المقتدر فيما بعد)، فرد الوزير: ويحك هو صبي. فأجابه ابن الفرات: إلا أنه ابن المعتضد ولِمَ تأت برجل كامل يباشر الأمور بنفسه غير محتاج إلينا؟! يتعلق الأمر إذاً بشخصية غير مستقلة لا تشكل خطراً على مصالح المستبدين بالأمر، أما مصلحة الأمة التي تقتضي حاكماً يعيد للخلافة هيبتها الضائعة فليست من الأمر في شيء!!
وهكذا أصبح الصبي خليفة المسلمين ينعم بين صبيانه وجواريه، وإذا بسلطة الحريم في القصر تتدخل في كافة الشؤون، وكان المقتدر متقلباً في أمره كثير العزل للوزراء والولاة مبذراً في أمره، وأصبح المجتمع في عصره مضطرباً إلى أبعد حدود الاضطراب، يتحكم فيه رجال أعمتهم الأنانية، وكان المعتضد قد تنبأ بزوال الملك على يد المقتدر، فكان ما تنبأ به على حد تعبير ابن الجوزي.
يتحصل مما سبق أنّ حاشية الخليفة أو الملك أو الرئيس تلعبُ دوراً رئيسياً في توجيهِ الجالس على العرش، بل إنّها أحياناً تلعب الدور الرئيس بدلاً منه! يذكر التوحيدي في كتابه "الإمتاع والمؤانسة" أنه قيل لأعرابي: أتود أن تصلب في مصلحة الأمة؟ فقال: لا. ولكني أود ان تُصلب الأمة في مصلحتي!!
() أكاديمي وباحث مصري
"المستقبل"




















