شهد اجتماع فيينا فصلاً جديداً من المواجهة بين فرنسا وطهران، تجلى في مطالبة ايران بابعاد باريس عن أي دور في اتفاق على تخصيب الاورانيوم الايراني، في موقف عدائي فاجأ البعض، بينما اعتبره آخرون محاولة ايرانية جديدة لشق صفوف الغربيين.
في الرواية الرسمية، نبش وزير الخارجية منوشهر متكي مطالبة ايرانية قديمة بالحصة التي تمتلكها بلاده في شركة تخصيب الاورانيوم الفرنسية «اوروديف»، معتبراً انه «على رغم ملكية ايران10 في المئة من حصص الشركة (خلال عهد الشاه)، لم تفِ باريس بواجباتها» في تسليمها وقوداً نووياً.
لكن "اوروديف" ليست على ما يبدو الا ستاراً دخانياً. فبهذا الموقف، تسعى ايران كما فعلت منذ مدة، الى دق اسفين بين خصومها وعزل الاكثر تشدداً منهم، في سياسة باتت سمة بارزة للديبلوماسية الايرانية، وهي تكتسب بعداً خاصاً عندما يتعلق الامر بالرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي يتخذ موقفاً متصلباً حيال النظام الايراني، متوعداً زعماءه وداعياً الرئيس الاميركي باراك أوباما الى اعتماد موقف أكثر تشددا منه.
كان متكي واضحاً في قوله إن بلاده لا تحتاج إلى فرنسا لتزويدها الوقود. وأضاف ان ايران ابلغت الوكالة الدولية للطاقة الذرية " انها اتصلت ببعض الدول ووافقت الولايات المتحدة وروسيا على المشاركة في المحادثات لتأمين الوقود»، وأن «المحادثات ستتم مع هاتين الدولتين في حضور الوكالة الدولية للطاقة الذرية. لسنا في حاجة الى كمية كبيرة من الوقود، وتاليا لسنا في حاجة الى مشاركة دول عدة. أعتقد أن هذين البلدين كافيان، ولا داعي لحضور فرنسا".
وتندرج سياسة صدَّ باريس وعرض اتفاق على أميركا والروس، في اطار ديبلوماسية ايرانية قديمة تقضي بتفريق خصومها ، وإن تكن ثمة حوافز هذه المرة قد تدفع جميع الافرقاء الى الانخراط في اللعبة. فمحادثات فيينا تتركز على تفاصيل اتفاق معلن في جنيف في الاول من تشرين الاول يقضي بتصدير طهران الاورانيوم المخصب الى الخارج لمعالجته واستعادته لتشغيل مفاعل للابحاث في طهران. ومع موافقة طهران على فتح مفاعلها السري الجديد في قم للتفتيش الدولي، يوفر اتفاق جنيف فرصة لتعزيز الاجرءات الاحترازية ضد تحويل الجمهورية الاسلامية مخزونها المتزايد من الاورانيوم المنخفض التخصيب مواد عسكرية.
وفي المقابل، استحسنت طهران الاتفاق، معتبرة انه اعتراف بأن تخصيب الاورانيوم في أراضيها أمر لا عودة عنه، وهي اكدت الثلثاء انها لا تنوي وقف التخصيب.
وفي فيينا، حاولت طهران ابداء بعض المرونة في ما يتعلق باتفاق دفعت اليه ادارة الرئيس الاميركي باراك أوباما بقوة. لكنها، بقيامها بذلك مع عزل أكثر المتشددين من القوى الغربية، قد تكون تقدم تنازلات لا تعترض عليها فعلاً، وتوجه في الوقت عينه ضربة شخصية الى ساركوزي.
ساركوزي
منذ انتخابه في أيار 2007، يتخذ ساركوزي مواقف حيال ايران توازي مواقف أكثر الصقور تشدداً في ادارة الرئيس الاميركي السابق جورج بوش. ففي تموز 2007، حذر من أنه سيكون على العالم ارغام طهران على التخلي عن برنامجها النووي، والا واجه بديلاً كارثياً: القنبلة الايرانية أو تفجير ايران".
وخلال دورة الجمعية العمومية للامم المتحدة في أيلول الماضي، بدا ساركوزي يهزأ من المواقف المخففة والعامة لاوباما في شأن الانتشار النووي. ورد عليه مباشرة بوصفه البرنامج النووي الايراني بالتهديد الاكبر للامن الدولي.
وعلى نقيض التعليقات الحذرة لاوباما على الانتخابات الايرانية المثيرة للجدل التي أجريت في حزيران الماضي، انتقد الرئيس الفرنسي بشدة النظام الايراني، قائلاً إن "الشعب الايراني يستحق أفضل من زعمائه الحاليين".
وبعيداً من الملف النووي، تواجه ساركوزي ونظيره الايراني محمود أحمدي نجاد في كباش ديبلوماسي حاد، على خلفية احتجاز طهران منذ أكثر من ثلاثة أشهر الباحثة الفرنسية كلوتليد ريس، وامتناع فرنسا عن تسليم طهران المهندس الايراني مجيد كافخند الذي فرضت عليه "الإقامة الجبرية" في باريس منذ آذار الماضي.
واستناداً الى الاستخبارات الاميركية، يعدّ كافخند حلقة ناشطة في البرنامج النووي الإيراني، ويرئس شبكة لتزويد هذا البرنامج ما يحتاج اليه من معدات الكترونية.
كذلك، تريد طهران اطلاق علي وكيلي راد، بعدما أمضى 15 سنة في السجون الفرنسية، مدانا بقتل شهبور بختيار، رئيس وزراء الشاه في ملجئه الفرنسي.
لقد انتظرت طهران الفرصة لرد "الصاع " لفرنسا. وباتخاذها موقفاً متشدداً حيال باريس، تستخدم طهران ساركوزي كبش فداء باظهارها تشدداً أمام الرأي العام الايراني مع ابقائها خطوط الحوار مفتوحة مع الولايات المتحدة.
لكن "الاهانة" الديبلوماسية التي وجهتها طهران الى باريس الثلثاء ليست الا رمزية. ففرنسا تبقى عضوا دائماً في مجلس الامن، وهو ما يوفر لها مقعداً في المحادثات النووية الرئيسية مع ايران، التي لا ترفض التفاوض مع باريس ، الا أنها تمانع ببساطة الموافقة عليها مزوداً للاورانيوم.
أما بالنسبة الى الفرنسيين، فلا يمكن الايرانيين استبعادهم عن محادثات التخصيب في الخارج. ففي ما عدا احتمال حصول اتفاق أميركي – روسي على ظهرهم ، يقول الفرنسيون إن "أحدا عدا الفرنسيين والاميركيين، ليس قادرا على انتاج الوقود1 الضروري لايران”. ففي الماضي، وفرت الارجنتين هذا النوع من الوقود لطهران، الا أن اللجوء الى بوينس ايرس يبدو شبه مستحيل حالياً في ظل التدهور الكبير للعلاقات بين الجانبين منذ الهجوم على المركز الثقافي الاسرائيلي في العاصمة الارجنتينية عام 1994 والذي اتهم به "حزب الله".
ولئن كان الاميركيون تقنياً قادرين على توفير هذا النوع من الوقود لطهران، كونهم هم الذين سلموا ايران مفاعل الابحاث في طهران في أيام الشاه، إلا أن مثل هذا التدخل الاميركي سيرغم واشنطن على اقامة اتصال مباشر مع طهران، وهو ما يبدو سابقاً لأوانه.
موناليزا فريحة
النهار




















