كان يُتوقع ان تقدم ايران على الأقل على تجميد مفاوضات فيينا حول ملفها النووي بعدما اتهمت الولايات المتحدة بالوقوف وراء التفجير الذي استهدف قيادات في الحرس الثوري قبل ايام، لكنها لم تفعل، واستبدلت خلافاً مفتعلاً بذلك مع فرنسا لأسباب قائمة منذ عقود ولم تتذكرها طهران سوى الآن. لكن ما الذي يدفع طهران الى هذا التناقض في المواقف: من جهة اتهامات خطيرة لواشنطن بتهديد الأمن الايراني الداخلي ومن جهة ثانية مفاوضات مرنة معها حول قضية شديدة الحساسية تعتبرها حيوية لنظامها؟
الجواب أيضًا مزدوج. فمن جهة، لا تزال المعزوفة التقليدية عن الحصار الذي تتعرض له الثورة وتكاثر أعدائها واصطفافهم في جبهة واحدة أيًا تكن الفوارق السياسية والايديولوجية والتباعد في الاهداف والمقاربات، الأسلوب المفضل للنظام الايراني في التعامل مع الخارج "الموحد" في نظره. وحتى لو كان المهاجمون من "جند الله" الذين اعلنوا مسؤوليتهم، وحتى لو كانت هناك اسباب وذرائع داخلية تدفع طرفاً ايرانياً ما الى اللجوء الى العنف للدفاع عما يراه حقوقه ومصالحه، فإن طهران تعتبر "الاستكبار" برموزه (وخصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا) المسؤول وعليه ان يكفر عن خطئه في "اغواء" المعارضات الداخلية بالتجرؤ على النظام، علماً ان ما يجري فعلياً هو العكس، إذ تخطو واشنطن ولندن في اتجاه الاعتراف بشرعية النظام الايراني.
وهنا تستعيد الحملة الرسمية على رموز المعارضة السلمية التي انطلقت بعيد الانتخابات الرئاسية شدتها لأنها هي ايضاً رُبطت بالخارج "المتآمر"، ويسارع مئة نائب في البرلمان بعد يومين فقط من التفجير الى تقديم شكوى الى القضاء ضد مير حسين موسوي لأن نشاطاته "شوهت صورة النظام"، ما يعني ان قيادة التيار الإصلاحي مرشحة في المستقبل القريب لدفع ثمن التفجير في بلوشستان، وان طهران لا تفرق بين من يتظاهر رافعاً شعارات سياسية وبين من يفجر نفسه، وتشن حملة استباقية على الغرب لدوزنة ردود فعله المتوقعة، وخصوصاً باريس الأكثر انتقاداً للممارسات القمعية.
ومن جهة ثانية، تواصل طهران المفاوضات النووية وتبدي "حلاوة" من طرف اللسان، لرغبتها في كسب الوقت وتفادي عقوبات اضافية قد تجعل وضعها الاقتصادي أشبه بوضع نظام صدام حسين قبيل الغزو الاميركي، لا سيما اذا ما تقرر وقف صادرات المشتقات النفطية اليها.
وكان البرلمان الايراني وافق أول من أمس على إلغاء الدعم الحكومي للمواد الغذائية مثل القمح والسكر والأرز والزيت تدريجياً خلال خمس سنوات وخفض الدعم للطاقة الذي يرهق الموازنة والذي تعوضه ايران عبر تهريب المشتقات النفطية بأسعار زهيدة من العراق. لكن هذه الخطوة قد تدفع الى ارتفاع معدل التضخم مجدداً الى ما فوق 30 في المئة، وتجعل سعري البنزين والكهرباء يتضاعفان اربع مرات.
وفي حين تؤكد الحكومة ان الاغنياء هم المستفيدون من الدعم وأنها ستعوض الفقراء بزيادة مساعداتها المالية المباشرة لهم، يرى اقتصاديون ان هذا الاسلوب قد يلحق ضرراً كبيراً بالاستثمارات ويضع البلاد امام خيارات صعبة في ظل استحالة الاستدانة من الخارج، بينها اللجوء الى خفض قيمة العملة الوطنية، خصوصًا وان البلاد لا تملك احتياطاً نقديًا كبيراً يمكنها من الوفاء بالتزاماتها ازاء من تعتبرهم جمهورها.
"الحياة"




















