لدى مقارنة الإنعكاسات التي تركها تقرير غولدستون على الحياة السياسية الفلسطينية وتلك التي تركها على الحياة السياسية في إسرائيل، نقف على عمق الهوة التي ما زالت تحول بين الفلسطينيين وبين تحقيق آمالهم وتطلعاتهم بدولة مستقلة في وقت منظور.
فالتقرير الذي شكل صفعة قاسية لإئتلاف اليمين الحاكم في إسرائيل ووضع في دائرة الشك والتساؤل والمحاسبة شخصيات سياسية مثل زعيمة أكبر حزب في الكنيست تسيبي ليفني التي كانت تشغل منصب وزيرة الخارجية إبان الحرب على غزة، والذي يهدد وزير الدفاع الحالي إيهود باراك ورئيس أركان الجيش غابي أشكينازي بالملاحقة بتهمة ارتكاب جرائم حرب؛ نجح في رص صفوف الجبهة الداخلية السياسية الاسرائيلية ووّحد المواقف بين الأفرقاء المختلفين سياسياً، ودعم المواقف المتشددة لليمين. والدليل على ذلك تضامن رئيس الحكومة الحالية مع الحكومة السابقة المناوئة له، ووقوف كل وسائل الإعلام جبهة موحدة ضد نتائج التقرير.
لقد أثار تقرير غولدستون حساسية خاصة عند الإسرائيليين تجاه المؤسسات الدولية والتنظيمات غير الحكومية التي يعتبرونها إجمالاً متعاطفة مع الفلسطينيين ومعادية لهم. فالتقرير في نظرهم متحيز، أحادي النظرة، متحامل، مليء بالأباطيل، وغير جدير بالثقة. من هنا الرفض المطلق له. ولم يخرج عن هذا الإجماع صوت مختلف أو مغاير حتى من جانب معسكر السلام واليسار الإسرائيلي المؤيد لحل الدولتين، والمتعاطف إجمالاً مع الفلسطينيين والذي وقف موقفاً معارضاً للعملية العسكرية على غزة.
والراهن اليوم أن الإئتلاف الحالي الذي يقوده نتنياهو لم يؤدِّ فقط الى طغيان نظرة اليمين الإسرائيلي من مجمل الموضوعات السياسية وفي مقدمها موضوع التسوية مع الفلسطينيين والإستيطان على الخطاب السياسي في إسرائيل؛ وإنما نجح في تهميش المعارضة السياسية سواء تلك المتمثلة في الكنيست بحزب كاديما وأحزاب اليسار، وفي شل قدرة حركات السلام الناشطة خارج الكنيست والتي تمثلها حركة "السلام الآن" وحركة "كسر الصمت" وغيرها من التنظيمات، على اتخاذ مواقف معارضة و التعبير عن رأيها في دفاعها عن فكرة التسوية والتعايش مع الفلسطينيين. فالأكيد أن خروج هذه الحركات اليوم عن الإجماع الإسرائيلي العام في رفض تقرير غودلستون من شأنه أن يعرّض مستقبل وجودها للخطر في ظل هذا الجو من الإستقطاب والتجييش ضد التقرير الذي يعيشه الإسرائيليون في الوقت الراهن.
نشاهد كل يوم الثمن الباهظ الذي يدفعه رئيس السلطة الفلسطينية نتيجة موقفه من طرح التقرير على مجلس حقوق الإنسان، والضرر البالغ الذي أصاب مساعي المصالحة بين السلطة الفلسطينية وحركة "حماس" التي ترعاها مصر منذ فترة. بعد التقرير تعمق الإنقسام والتشرذم، وتصاعدت حملات التشهير، وازدادت الكراهية المتبادلة والإتهامات بالتخوين.
وعلى الرغم من الإحراج الذي تسبب به تقرير غولدستون للحكومة الإسرائيلية على الصعيد الدولي، إلا انه من جهة اخرى عزّز قوتها على الصعيدين الداخلي والشعبي. فبعد" إنجاز" نتنياهو في دفع الولايات المتحدة للتخلي عن مطالبتها بالتجميد الكامل للإستيطان، مما جعله يظهر بمظهر المدافع الأكبر عن مصالح بضع مئات من المستوطنين ولو على حساب غالبية من الإسرائيليين تؤيد حل الدولتين؛ ها هو اليوم يتصدى لمنع ملاحقة مسوؤلين بتهمة جرائم حرب.
اما بالنسبة للسلطة الفلسطينية وبصورة خاصة بالنسبة لرئيسها محمود عباس، فالضرر الذي لحق بصورته السياسية وبزعامته كبير ومن الصعب جداً إصلاحه على الرغم من الدعم الدولي الذي يحظى به، وعملية احتضانه من جانب بعض الدول في الوقت الراهن.
الخسارة المعنوية التي مني بها أبو مازن تؤكد ما يروّجه اليمين الإسرائيلي من عدم وجود شريك فلسطيني قادر على الإلتزام بالتسوية وتحقيق حل الدولتين. من هنا كل محاولات حركة "حماس" نزع الشرعية التمثيلية عن محمود عباس معناها الفعلي وأد كل محاولات التوصل الى قيام دولة فلسطينية في مستقبل منظور، واعفاء حكومة نتنياهو من التزاماتها بتحقيق حل الدولتين.




















