يمكن القول ان الاتفاق التاريخي بين تركيا وأرمينيا لتطبيع العلاقات بين الدولتين والشعبين، الذي أعلن عنه فجأة في مطلع ايلول المنصرم ووقع عليه في 10/10/2009، هو من الاحداث المميزة لمطلع القرن الواحد والعشرين من حيث دلالته للنزاعات المزمنة في محيط الازمات الممتد من القوقاز الى الشرق الاوسط ومرورا بالبلقان.
فالنزاع الارمني التركي، كما هو معروف، يمتد في التاريخ والجغرافية ويتداخل فيه الدين مع الاديولوجية القومية ويتبادل فيه كل طرف مع الاخر الاتهام بـ الابادة". ولدينا مثل ذلك في النزاع التركي اليوناني واليوناني المكدوني والمجري الصربي والالباني الصربي والعربي الاسرائيلي الخ.
وكما هو الامر مع النزاع التركي السوري في النصف الثاني للقرن العشرين، الذي كاد أن يتحول الى نزاع مسلح في 1998، فان التاريخ يمكن أن يلين أمام الواقع ويمكن للمصالح الجديدة أن تحول العلاقات من النقيض الى النقيض بوجود ارادة سياسية قوية.
وقد مكّن هذا الانجاز المشترك، الذي ترك مسألة لواء الاسكندرونة للاجيال القادمة، من فك الحصار الارمني السوري حول تركيا بعد أن وصلت العلاقات مع سوريا الى مستوى متقدم، وسمح لتركيا بالاستعداد لاتفاق مماثل مع أرمينيا. ومع ادراك الطرفين لعبء التاريخ والاستحقاق المتوقع لهكذا اتفاق في الداخل وفي الجوار الا أن الارداة السياسية والدبلوماسية الماهرة توصلت الى اتفاق تاريخي بكل معنى الكلمة.
والمهم في هذا الاتفاق التخلص من عبء التاريخ على الحاضر، وبالتحديد من ادعاءات كل طرف بوجود "ابادة " ضد الاخر، حيث تم الاتفاق على تشكيل لجنة علمية مشتركة تبحث في هذه المسألة بالاستناد الى الوثائق المختلفة( التركية والارمنية والروسية والبريطانية الخ) وتنتهي الى تصور موضوعي أكثر مما لدينا حتى الان. فالمشكلة حتى الان كانت في أن كل طرف متشبث بروايته التي يدعمها بمصادره الخاصة والتي أصبحت من مكونات الهوية في مواجهة الاخر، بعد أن تجذرت في الكتب المدرسية من دور الحضانة الى الجامعة.
ولم يكن من المستغرب أن تبرز المعارضة هنا وهناك ضد هذا الاتفاق التاريخي، لان المعارضة هنا وهناك تعيش على الماضي وتربط به مستقبلها السياسي . ومن هنا شاهدنا جميعا المظاهرات الغاضبة للارمن في بيروت احتجاجا على هذا الاتفاق، التي خوّنت رئيس الجمهورية بسبب "التنازلات" التي قدمها للطرف التركي، ولكن لم تحول بطبيعة الحال دون التوقيع عليه في 10/10/ 2009.
ويبدو ان مجرد الاعلان عن هذا الاتفاق التاريخي في مطلع ايلول المنصرم قد ترك أثره في محيط الازمات حيث أطلق روح "المصالحة التاريخية" لحل بعض النزاعات المزمنة. ومن ذلك لم يكن من المصادفة أن تشهد بودابست في اليوم التالي (12/10/2009) الاتفاق على "مصالحة تاريخية" أخرى بين المجر والصرب بعد التوافق بين الطرفين على تشكيل لجنة علمية مشتركة للنظر في اتهام بودابست للصرب بـ"ابادة" المجر في اقليم فويفودينا .
وكانت صربيا، التي دخلت الحرب العالمية الاولى في صف الحلفاء، قد كوفئت على ذلك بتوسيع حدودها على حساب المجر المهزومة في الحرب وذلك بضم اقليم فويفودينا اليها الذي يعتبر تاريخيا وجغرافيا جزءا من المجر . وكان بعض الصرب قد نزحوا اليه في القرن السابع عشر، ولكن الاقليم كان في 1918 يضم اغلبية مجرية وأقلية صربية. وعلى الرغم من التزام صربيا بحماية الاقليات الا أن الحكم الصربي أدى الى ما يعتبره المجر ابادة" انتهت مع الزمن الى أن يتحول المجر الى أقلية والصرب ( الذين جاؤوا من داخل صربيا خلال القرن العشرين ) الى أكثرية.
ومع أن الحزب الشيوعي وصل الى الحكم هنا وهناك في 1945 الا أن الشعور بالمرارة والحديث عن "الابادة " تواصل وتعاظم بعد التحول الى الديموقراطية في 1990، وخاصة بعد أن انضمت المجر الى الاتحاد الاوربي في 2005.
وفي المقابل أصبحت صربيا، بعد أن تحررت من تركة ميلوشيفيتش وكوشتونيتسا القومية وأعلنت خيارها بالانضمام الى الاتحاد الاوربي، في حاجة ماسة الى المجر التي ستتولى رئاسة الاتحاد الدورية في 2011. ومن هنا قام الرئيس الصربي بوريس تاديتش بزيارته الى المجر خلال هذا الاسبوع والاتفاق مع الرئيس المجري لاسلو شوليوم على "المصالحة التاريخية" كما جاء في مانشيت الصفحة الاولى من الجريدة الصربية المعروفة "داناس"(عدد 13/10/2009).
وحسب الجريدة فقد وافق الطرفان على تشكيل لجنة علمية مشتركة من الجانبين لبحث مسألة "الابادة" الصربية للمجر في اقليم فويفودينا بعد ضمه الى صربيا في 1918، وخاصة في ما حدث فيه بعد الحرب العالمية الثانية. ومع هذا القرار، كما تضيف الجريدة، يمكن أن تتحقق "المصالحة الكاملة بين الشعبين وذلك بمعرفة الحقيقة وليس بالسكوت على الجريمة".
ولذلك يمكن أن يصبح السؤال هنا: ماذا بعد الاتفاق المجري الصربي ؟
"المستقبل"




















