ترددت عبارتا "التهديد لعملية السلام" ، و"العقبة امام استئناف المفاوضات"، وغيرهما من العبارات التي تحمل معنى الوعيد والتحذير على ألسنة المسؤولين الاسرائيليين، وذلك في معرض الإشارة تارة إلى تقرير القاضي ريتشارد غولدستون بحد ذاته، وخصوصا لتأكيده على ان الجيش الاسرائيلي ارتكب جرائم حرب خلال هجومه على قطاع غزة مطلع العام الحالي. وتارة أخرى حينما كان التقرير يطرح للمناقشة سواء داخل المجلس الدولي لحقوق الانسان في جنيف أو عند محاولات طرحه للتصويت أمام المجلس وعندما عرض على مجلس الأمن الدولي. لكن التهديد الاسرائيلي بعمل ما لوقف عملية السلام، أو الحيلولة دون استئناف المفاوضات يطرح سؤالا جديا بشأن ما آلت اليه عملية السلام وإلى أين وصلت المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية. وبالتالي مدى أهمية التهديدات والتحذيرات الاسرائيلية.
ويعلم الجميع أن عملية السلام متوقفة فعليا منذ تسع سنوات بل إنها تراجعت نتيجة اعادة احتلال اسرائيل للضفة الغربية في نطاق ما سمته عملية "السور الواقي" عام ٢٠٠٢، وما تلا ذلك من تكثيف للاستيطان وزيادة أعداد المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة الى ما يزيد عن نصف مليون مستوطن في الوقت الحاضر. كما أن حصار غزة نموذج لأسوأ انواع الاحتلال حيث تغلق المعابر ويعيش المواطنون هناك في سجن كبير ضمن عقوبة جماعية لأكثر من مليون ونصف المليون من المواطنين الأبرياء.
يضاف إلى ذلك أن الحكومات الاسرائيلية السابقة لم تنفذ حتى الآن وبعد مرور ستة عشر عاما على اعلان اوسلو، ما نص عليه الاعلان من انسحاب اسرائيل الكامل من الأراضى الفلسطينية، بل ان المستوطنات المنتشرة في طول الضفة الغربية وعرضها جعلت امكانية قيام دولة فلسطينية متصلة ومتواصلة أمرا مستحيلا. وما يزال الاستيطان يمتد ويتوسع بتشجيع من الحكومة الاسرائيلية اليمينية الحالية، التي اعلن رئيسها بنيامين نتنياهو أن المستوطنين يقومون بما وصفه بالمهمة المقدسة في "أرض الأجداد" في الضفة. فكيف تكون في الوقت نفسه"أرض أجداده" كما يدعي، وأرضا للدولة الفلسطينية التي هي الهدف الأول والنهائي لعملية السلام؟ .
وما الذي فعله نتنياهو وحكومته منذ توليهم السلطة لتحريك عملية السلام التي لا يؤمنون بها أصلا بل هم من أشد المعارضين لها؟ لقد قاموا بتمييع الطلب الأميركي بتجميد الاستيطان ،طورا بالتحدث عن تلبية الاحتياجات الطبيعية للمستوطنين، وطورا باستمرارية ما يوصف بالحياة الطبيعية في المستوطنات. وهكذا اضعفوا من مصداقية الرئيس الأميركي باراك اوباما، ليس فقط في المنطقة بل على الصعيد الدولي ككل.
ان من يستمع إلى التهديدات الاسرائيلية بوقف عملية السلام أو الحيلولة دون استئناف المفاوضات، يتوهم أن هناك عملية سلام نشطة وأن التوصل إلى اتفاق سلام أصبح في متناول اليد. لكن السؤال مرة أخرى هو : أي عملية سلام هذه التي يتحدث عنها قادة اسرائيل بهذه المودة المصطنعة، وهذا التعلق المزيف؟.
غولدستون نفسه تساءل ،وبحق، عن عملية السلام المزعومة هذه، وأجاب عن تساؤله قائلا: ليست عناك أصلا عملية سلام ليهدد اركان حكومة نتنياهو بوقفها أو منع استئناف محادثاتها.فوزير الخارجية الاسرائيلي افيغدور ليبرمان يعارض هذه العملية بقوة.
والحقيقة هي انه لا توجد مفاوضات سلام لأن نتنياهو يرفض تجميد الاستيطان،ووضع جدول للمفاوضات كما يطلب الجانب الفلسطيني. فالموقف الاسرائيلي من عملية السلام والمفوضات هو العقبة الكبرى والوحيدة في طريق السلام وليس تقرير غولدستون أو عرض التقرير للمناقشة أو التصويت في هذه الهيئة الدولية أو تلك.
والمطلوب جدلا ليس أكثر آن توضح حكومة نتنياهو للعالم وللفلسطينيين ملامح عملية السلام المهددة من خلال تقرير غولدستون. ونوعية التهديد الذي يشكله التقرير، وكيف سترد هي على انكشاف حقائق ممارساتها خلال حربها على غزة.
هذا هو ما يطلبه العالم من اسرائيل التي أوقعها التقرير في دوامة لن تستطيع الخروج منها بسهولة، وعلى المدى المنظور في اقل تقدير.
القدس




















