ينخرط لبنان بشكل أو بآخر، في نقاش من النوع الذي يدعو الى الإبتكار وإن بأسلوب، تشكل فيه الدعوة الى الإبتكار والتغيير، معالم وملامح تختلف فيه من فريق الى آخر، – واستكمالاً لنقاش سابق(•) – تأتي الدعوة الى ابتكار الصيغة المناسبة للتغيير في سياق مواكبة الحراك السياسي العام في المنطقة، بحيث يأتي هذا التغيير متناسباً و حجم الطموحات السياسية والوطنية للبنانيين، فلا يأتي بصورة الأمر الواقع الناتج عن طبيعة الحراك المذكور، فلا يكون للبنانيين دور فيه ولا في شكل نظامهم المولجين بابتكار تحديثاته المطلوبة.
ووجدت موضوعات مثل حرية الرأي والإعتقاد والمساواة أمام القانون، نقاشات أساسية ومعالجات سياسية ودستورية مهمة رافقت مرحلة ما يعرف بعهد الثورات البورجوازية، وكذلك تناولتها أدبيات مفكري عصر النهضة في أوروبا، وبشكل جزئي أيضاً تعرض لها مؤسسو الحركات الإصلاحية المعاصرة في العالم الإسلامي أمثال (جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وعبد الرحمن الكواكبي والإمام الخميني لاحقاً في ايران وغيرهم…)، وكان لمثل هذه النقاشات أثرها في ابراز الجانب القانوني والتشريعي لحدود ممارسة مثل هذه المفاهيم وتكييفها مع طبيعة الأسس الإجتماعية لنشاط وخصوصيات الشعوب والمجتمعات. الا أن آلية ممارسة الحقوق السياسية، وتحديدا في المجتمعات المتعددة الطائفة والاثنية، بقيت تواجه مزيداً من النقاشات والأبواب المفتوحة، وخصوصاً في مرحلة ما يسمى الجيل الثاني بعد الحرب العالمية الثانية الذي أغنى دساتيره بالحديث عن المسائل المتعلقة بالحقوق والحريات الأساسية، والأهم، الحديث عن التكييف القانوني لنشاط الأحزاب والكتل السياسية والتشريعات الإنتخابية في البلدان المتعددة الإنقسامات (الطائفية والإثنية…). اذاً، من المهم، أن يتم النظر الى أشكال ومقترحات التغيير على أن تكون مقترحات جامعة وضامنة لبنية النظام وللمؤسسات السياسية فيه، ولهذه المقترحات التي من الواجب تكييفها وحجم التحديات المطروحة، قاعدة من المرتكزات الأساسية التي تساهم الى حد كبير في وضع التغيير ضمن آلية منضبطة ومتماسكة لا تهدد الشرعية والإستقرار وتشارك فيها الغالبية الساحقة من الفئات والمجموعات والكتل المنضوية في النظام، ويكون للمرتكزات المذكورة اطار عمل يبحث في:
1- تصورات الإدارة السياسية ودور المؤسسات السياسية.
2- تصورات لقانون انتخابي متماسك وقابل للحياة بشكل كامل ودائم ونهائي.
1- تصورات الإدارة السياسية
ثمة وعي جماعي، يعتبر، أن الإدارة تمثل اطار تفاعل مباشر، في ظل علاقة يومية عامة. وبالتالي ان العمل على تحديث الإدارة بما ينسجم مع حجم التطور الذي بلغته دينامية حركة الإقتصاد والتكنولوجيا ووسائل الإتصال الحديثة، يساعد في رفد أكبر عدد ممكن من طاقات المجتمع في الإدارة السياسية للدولة وفق منظار اجتماعي تشريعي ينظم موقع المستفيد أو المنتفع من هذه العلاقة.
ولأن الإدارة تعالج المصالح الأساسية والقريبة للمواطنين، فإن العلاقة معها، تعد من المسائل المباشرة التي تساعد في تنظيم النشاط السياسي تحت سقف المصلحة العامة. وكلما ازدادت فاعلية الإدارة، ازدادت معها القدرة على تثبيت شرعية النظام والقدرة على مضاعفة تمسك المواطنين بالشرعية. وقياساً على ذلك، تمثل تجربة التحديث والتطوير واصلاح الإدارة في لبنان نمطاً متشائماً (عدا المرحلة الشهابية التي تميزت كتجربة اصلاحية فريدة وان بقيت غير مستكملة)، فيجب عدم النظر الى الإدارة من زاوية تقليدية بالمعنى المتعارف عليه من حيث طبيعة المهمات المنوطة بها، بل إن الإدارة تحمل أبعاداً أكثر نوعية لجهة تكريس الولاء الوطني عبر قناة التواصل اليومي بين المواطن والسلطة الشرعية وتعزيز هذه القناة ضروري لأجل بلوغ أهداف تحقق التماسك الوطني العام اضافة الى تقوية مباشرة للولاء الوطني عبر الإدارة المشتركة بين أطياف ومجموعات النظام وكتله.
لم تفلح كل المحاولات الرامية الى التطوير والتحديث في تاريخ لبنان الحديث في تحقيق مراميها، في ظل انشغال النخب عن تحييد الإدارة عن عوامل الإنقسام الطائفي، ووجدت كتلتان رئيستان لكل نظرتها الى المسألة، واحدة تتجاهل عامل الإدارة باعتبارها عاملاً ثانوياً في تحقيق الأهداف الوطنية، وأخرى تنظر اليها بعين تحقيق الضمانات عبر وضع طروحات كالفيديرالية والسلطة المحلية والإدارة الذاتية شرطاً لتحقيق ادارة ناجحة ومتوازنة. ثمة علاقة وثيقة في لبنان، تجمع القطاعات والمؤسسات الإدارية والعسكرية والإقتصادية (قطاع التربية والتعليم، والجيش، والمرافق الإقتصادية والخدمية العامة…) بالتطور السياسي، وتترك مثل هذه العلاقة تأثيراتها العميقة على التماسك والولاء الوطنيين، وان البحث في تعزيز قطاعات من هذا النوع وتطويرها وتحييدها ولو بشكل جزئي عن الإنقسامات العامة، يعد من العوامل الأساسية في تطوير التماسك والعاطفة الوطنية المشتركة وتعزيزهما.
2- تصورات لقانون انتخابي متماسك
وقابل للحياة بشكل دائم ونهائي
يواجه لبنان، منذ العملية الإنتخابية الأولى التي جرت بعد الإستقلال، اشكالية وضع اطار قانوني تجري بموجبه اي عملية انتخابية ويكون قادراً على التعامل بشكل حكيم مع حجم التعقيدات الداخلية وانعكاسات الأحداث والتقاطعات الإقليمية والدولية على الرهانات الإنتخابية الداخلية، بحيث يأتي كل قانون انتخابي، انعكاساً لعيوب ومساوئ الأداء السياسي للنخب السياسية والمشتغلين في الحقل العام، اضافة الى أن كل قانون انتخابي يأتي عاجزاً عن تطبيق آمال نخب فكرية ووطنية وطموحاتها بتحقيق مسار ديموقراطي يحقق أعلى قدر ممكن من الإستقرار السياسي للشرعية والممارسة المواطنية النوعية.
من حيث التجربة العملية، أكدت النماذج المعتمدة، أن القول بنظام انتخابي نهائي ودائم لا يعني اغفال التبدلات والتحولات الديموغرافية والجيو-سياسية للبلدان والدول، وبالتالي عندما نقول بقانون انتخابي نهائي لا يعني أن لا تؤخذ أي تحولات ومتغيرات جدية في الإعتبار،فيعاد عندها النظر بالقانون، بما تتطلبه ضرورات التحولات والتبدلات الحاصلة، خصوصاً أن الجغرافيا الإنتخابية مثلاُ، تعد عاملاُ أساسياً وحاسماً في تشكيل رأي عام مقرر، ونخبة وطنية تضبط عمل النادي السياسي.
المعاهدات والمواثيق الدولية(••) المعنية تعنى بالأطر العامة لتنظيم حركة الإنتخاب وفق قاعدة أخلاقية حددتها هذه المواثيق، ويفترض أن تؤخذ هذه الأطر العامة كخلفية نقاش عند بلورة إطار القوانين الإنتخابية، لأن هذه المواثيق أتت نتيجة لتجارب ومعاناة طويلة ساهمت في رصد العناصر المتوخاة من أهداف أي قانون جديد، وتظهر هذه المواثيق والمعاهدات أنه من الضروري اتمام العملية الديموقراطية بما يتلاءم وظروف كل بلد.وشددت على ضرورة، أن تعتمد القوانين والأنظمة المؤطرة لعملية الإنتخاب طريقة سلسة، بحيث لا يكون هناك أي خطوة تفتح في المجال أمام أي محاولة عنفية تفرض أمراً واقعا بحيث يصبح بعدها أي اقتراح عرضة للإنتكاس والفشل.
وقياساً على ذلك، فإن كل عملية انتخابية جرت في لبنان، لا يمكن القول عنها إنها كانت سليمة في أدنى متطلبات السلامة الإنتخابية، وكانت التطلعات المبالغ فيها والخطوات المرتجلة عاملاً مزعجاً في تحضير الأرضية التي يستند اليها كل قانون انتخابي، ونستطيع هنا درس كل قانون انتخابي وضع بعد الإستقلال على حدة، لنتوصل الى نتيجة حاسمة تؤكد كم أن المزاجية والزبائنية والمصالح الضيقة كانت عناصر دافعة في بلورة القوانين الإنتخابية.
وبما أن لبنان يشكل قاعدة بحث استثنائية، فإن الإبتكار يأتي في اطار تخيل جماعي، لأنظمة انتخابية تساعد في تحقيق كل الأهداف المتوخاة، فمثلاً، أمكن قوى وطاقات فكرية شابة أن تضع وتستشرف تصورا لقانون انتخابي وهمي، وتنشئ حقل تجارب لهذا النظام، وينظر الى هذا النظام بشكل دوري ودائم، وتتشارك فيه الأفكار في سبيل الوصول الى قانون يمكن تطبيقه في المستقبل. ان الدعوة الى الإبتكار والإبداع، هي دعوة تأتي في اطار تحفيز هذه الطاقات، لأجل عدم اطالة المدة الزمنية واجراء اصلاح استثنائي في هذا المجال.
بعد أن خرجت الولايات الأميركية المتناحرة، من حروبها الأهلية، وخلال جلسة مداولات لإقرار الدستور الأميركي في العام 1787م، أصر ممثلو الولايات ذات الحجم السكاني الصغير على منحهم نسبا مقررة من المجالس التشريعية الفيديرالية ونسبة مقررة من الأصوات في انتخاب الرئيس الأميركي، وذلك حتى لا تفرض عليهم الولايات الكبيرة (مثل نيويورك وبنسلفانيا) إرادتها، وأمام تهديدهم بالإنسحاب ان لم يتم الإستجابة لمطالبهم، اضطر ممثلو الولايات الكبيرة الى القبول بمبدأ النسب المقررة، فيما عرف آنذاك بـ"التوافق العظيم"، وكان من بين الصيغ التي تم اعتمادها،أنه مهما بلغت نسبة سكان أي ولاية، فانها تحصل على مقعدين في مجلس النواب على الأقل.
وضعت هذه الفقرات تحت ضغط التحولات التي كانت تخضع لها الولايات المتحدة بعد الحرب، وكانت من بين الوسائل المبتكرة التي رسخت الإستقرار الداخلي هناك، وقوضت التناحر الى يومنا هذا، ومع أن النظام الإنتخابي الأميركي تشوبه الكثير من العيوب، الا أنه من اللافت، أن هناك أعداداً كبيرة من المواطنين الذين لا تمثل أصواتهم أية قيمة خاصة من صفوف الأقليات العرقية أو السياسية. فالمعروف مثلا أن غالبية ألأميركيين الأفارقة (السود) يعيشون في الولايات الجنوبية في حين تصوت غالبية مواطني هذه الولايات في العادة لمصلحة مرشح الحزب الجمهوري، و هكذا مهما كان عدد المصوتين السود لمصلحة مرشح الحزب الديموقراطي فإن أصواتهم لن تنعكس على مستوى "أصوات الولاية" وبالتالي فإن هذا يعني أن أصواتهم غير صالحة عمليا. وبالنظر الى الأساليب المبتكرة التي ابتدعها الأميركيون والتي أتت لتعبر عن مسار مبتكر، قوض الشعور التاريخي بالعنصرية، وانتخب اخيراً. أوباما الأسود، رئيساً للولايات المتحدة الأميركية. ما يحتاجه لبنان، ابتكار من النوع المذكور، يفتح في المجال أمام التغيير، ويجعل من تقويض المشاعر والعواطف الخاصة بالطوائف والمجموعات، أمراً حتميا، وهدفاً نهائيا تسعى اليه النخب السياسية… بجدية.
(•) باسل الحسن – "قضايا النهار" 29/7/2009 – النظام اللبناني: ابتكار التغيير
() – الإعلان الدولي لحقوق الإنسان (1948).
– المعاهدة الدولية حول الحقوق المدنية والسياسية (1966).
– المعاهدة الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية (1950).
– الوثيقة المنبثقة عن اجتماع كوبنهاغن لمؤتمر البعد الإنساني للمؤتمر الخاص بالأمن والتعاون في أوروبا (1990).
– الإعلان الأميركي حول حقوق وواجبات الإنسان (1984).
– الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (1981).
(أستاذ في كلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية)
النهار




















