صفير: لماذا كان النظام الديموقراطي صالحاً بالأمس ولم يعد صالحاً اليوم ؟
زادت أزمة تشكيل حكومة وحدة وطنية البطريرك الكاردينال صفير اقتناعا بأن لبنان سيظل يواجه مثل هذه الازمة التي لا خروج منها الا بتدخل خارجي او بحادث امني يفرض هذا التدخل وهو ما حصل في 7 ايار فكان مؤتمر الدوحة، ثم كانت اخيرا القمة السورية – السعودية للمساعدة على اخراج لبنان من ازمة تشكيل مثل هذه الحكومة. وقد تساءل في مجلسه الخاص: هل بات مطلوبا ألا يتم انتخاب رئيس للجمهورية ما لم يكن مقبولا من كل الاطراف وكذلك رئيس لمجلس النواب وتشكيل حكومة تسمى حكومة وحدة وطنية، الا بتدخل خارجي سافر، وكأن اللبنانيين قاصرون عن ان يحكموا أنفسهم بأنفسهم وهم في حاجة الى وصاية دائمة؟
ويعود سيد بكركي الى الماضي ليقول لماذا كان النظام الديموقراطي صالحا للبنان وبات الآن غير صالح له؟ لماذا لم تكن الاقلية تتهم الاكثرية التي تحكم بانها تستأثر بالحكم وبالقرارات كما تتهمها اليوم؟ ولماذا كان من حقها ان تحكم والاقلية تعارض وبات هذا حاليا امرا مستغربا، ففي عهد الشيخ بشارة الخوري حكمت الاكثرية التي انبثقت من الانتخابات النيابية وعارضت الاقلية، وعندما عادت هذه الاكثرية اكثرية بالتزوير انقلب الشعب عليها بثورة بيضاء وأطاحها. وفي عهد الرئيس شمعون حكمت الاكثرية وعارضت الاقلية، وكذلك الامر في عهد الرئيس فؤاد شهاب وفي عهد الرئيس شارل حلو. وكان التنافس على رئاسة الجمهورية تنافسا ديموقراطيا حرا ولا تأثير للخارج فيه، وكان خفياً، الا من خلال بعض الاحزاب والكتل، وقد انعدم هذا التأثير عندما انتخب سليمان فرنجيه رئيسا للجمهورية بصوت واحد.
فلو ان انتخابه تم اليوم هل كانت الجهة الخاسرة اعترفت بانتخابه بصوت واحد ولم تنزل الى الشارع لتدخل البلاد في ازمة سياسية مفتوحة على كل الاحتمالات؟
لقد استمر العمل بالنظام الديموقراطي الذي تحكم بموجبه الاكثرية والاقلية تعارض الى ان تصبح هذه الاقلية اكثرية فينتقل اليها الحكم بصورة دستورية وطبيعية حتى في ظل الوصاية السورية، وان كان هذا النظام قد تعرض للمسخ والتشويه، اذ جرت انتخابات 1992 رغم مقاطعة 85 في المئة لها من الناخبين، ومع ذلك اعتبر مجلس النواب الذي انبثق منها شرعيا وممثلا لإرادة الشعب… وكان تشكيل الحكومات يتم بتمثيل كل المذاهب وفقا للدستور ولكن بوزراء لا يمثل بعضهم تمثيلا صحيحا مذاهبهم ومجتمعهم. ولم يكن من حق اي حزب او كتلة تسمية من تريد وزيرا ولا اختيار الحقيبة، حتى اذا فعلت، فانه كان لرئيس الجمهورية ولرئيس الحكومة المكلف بالتفاهم مع سوريا ان يشكلانها، وكانت الثقة بها مضمونة بفعل السطوة السورية على البلاد حتى ان حجبها عنها كان ممنوعا الا بارادة سورية…
ولم يكن تشكيل الحكومات في الماضي حتى وان كانت اتحادية ووفاقية يتم كما هو اليوم، اذ كان للاقلية المعارضة سياسة تختلف في بعض المجالات عن سياسة الاكثرية، فإما يصير اتفاق على قواسم مشتركة بينهما تحقيقا للانسجام والتجانس داخل الحكومة، فيتم عندئذ تشكيلها وتكون وفاقية او ائتلافية، او يتعذر الاتفاق فتكون حكومة من الاكثرية فقط. واذا كان من حق اي وزير ان يعترض على مشروع مطروح على مجلس الوزراء ويدلي بملاحظاته عليه، فانه لم يكن من حقه ان يبقى معترضا عليه ومعارضا اياه بعدما توافق عليه اكثرية الوزراء، بل كان من حقه ان يستقيل انسجاما مع نفسه.
وكانت اللوائح الانتخابية تتألف من كل المذاهب والمناطق وعلى اساس خط سياسي لها وكان الناخب يقترع لهذه اللائحة او تلك بدافع سياسي وغير مذهبي خلافا لما هو حاصل اليوم.
ويتساءل البطريرك صفير ايضا كيف كان النظام الديموقراطي الذي تحكم بموجبه الاكثرية والاقلية تعارض، يحقق الاستقرار السياسي في البلاد وبات الآن نظاما لا يحقق ذلك وينبغي البحث عن نظام آخر، هيهات ان يتوصل اللبنانيون مع اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم الى اتفاق عليه؟
الواقع ان ما عطل الاستمرار في تطبيق النظام الديموقراطي في رأي المراقبين هو اتجاه البلاد نحو الطائفية والمذهبية، عوض الاتجاه نحو العلمنة والدولة المدنية، وان وجود سلاح خارج الشرعية حال ويحول دون قيام الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل اراضيها، وعندما ينص الدستور على ان الحكومة الشرعية والميثاقية ينبغي ان تكون ممثلة لكل الطوائف والمذاهب وبالتساوي بين المسيحيين والمسلمين ونسبيا بين طوائف كل من الفئتين ونسبيا بين المناطق، والا اعتبرت حكومة غير ميثاقية وغير شرعية وتناقض سلطتها ميثاق العيش المشترك، فانه يصبح في استطاعة اي مذهب او طائفة فقدت التعددية والتنوع داخلها ان ترفض المشاركة في الحكومة اذا لم يؤخذ بمطالبها وشروطها، وهو وضع لم تشهده البلاد في الماضي كما تشهده اليوم مع قيام "التحالف الشيعي" الذي باحتكاره تمثيل الطائفة يستطيع أن يعطل انتخابات رئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس وتشكيل الحكومات اذا قرر الامتناع عن المشاركة فيها.
ان ما هو اخطر على استقرار البلاد سياسيا وامنيا واقتصاديا ان تحذو مذاهب وطوائف اخرى حذو هذا التحالف، فلا يعود في الامكان اقامة سلطة ولا دولة اذا كان لكل مذهب او طائفة مطالب وشروط متعارضة يحول عدم التوافق عليها دون انتخاب رئيس للجمهورية ورئيس للمجلس وتشكيل حكومة لئلا يكون ذلك غير ميثاقي وغير شرعي.
والسؤال المطروح للخروج من هذا الوضع الشاذ هو: اي نظام سيختاره اللبنانيون لانفسهم ويتوصلون الى اتفاق عليه ويكون افضل واصلح من النظام الديموقراطي الذي تعتمده دول كثيرة لانه الافضل والاصلح بعد تجربة انظمة اخرى. وهل مطلوب ان يظل لبنان يعاني من الازمات التي لا خروج منها الا بتدخل خارجي او بحادث امني تفرض فيه الطائفة الاقوى رأيها على الطائفة الاضعف؟
اميل خوري
emile.khoury@annahar.com.lb




















