لا عجب في أن الاتفاق المتبلور، كما يبدو حاليا، بين ايران والاسرة الدولية إزاء كبح جماح البرنامج النووي لطهران، قد استقبل في القدس بارتياب كبير جدا. ليس سهلا الشفاء من الريبة التي بنيت بصورة جذرية طوال نحو 15 عاما. ولا يقتصر الأمر على أن الرئيس الايراني محمود احمدي نجاح لا يبدو كنموذج يبعث على الثقة على نحو خاص، بل إن النظام الايراني كله كسب باستقامة صورته المخادعة. وسيمر الكثير من الوقت الى أن توافق أجهزة الاستخبارات الاسرائيلية، وفي اعقابها القادة السياسيون، على تصديق التقدير القائل بأننا في فيينا أنقذنا دولة اليهود.
هذا الاسبوع انتشرت في واشنطن شبه تقديرات، شبه شائعات، وكأن الاتفاق الرسمي بين الاطراف سيوقع مع نهاية السنة، والى جانب احمدي نجاد، سيشارك في احتفال التوقيع رئيس الولايات المتحدة براك اوباما او على الاقل وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون. بيان الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن مسودة متفق عليها بُلورت بين الاطراف في فيينا، استدعت موجة من ردود الفعل، معظمها متحمس جدا. استنادا الى سلوكهم في الماضي، يحتمل أن يحاول الايرانيون تذويب الخط الاحمر الذي وضعته القوى العظمى في المفاوضات، جمع خطوط وردية: عدة مطالب صغيرة اخرى، تماما قبل التوقيع، لانتزاع اتفاق اكثر راحة بقليل لطهران.
اسرائيل، ولان التسوية تبدو في متناول اليد تحديدا، تجد صعوبة في ركوب موجة التفكير الايجابي. صحيح أن القدس اتخذت خطا متفائلا علنيا منذ الاعلان عن الحوار مع ايران الاعراب عن الثقة الكاملة في قدرة اوباما على فرض تسوية معقولة على ايران، وفي غيابها، المبادرة الى عقوبات اكثر تشددا تجبرها على الخضوع. ولكن ردود الفعل الاولى من القدس أول من امس، بقيت حذرة وغامضة بصورة متعمدة. القلق لا يزال على حاله. التسوية المتبلورة تبقي لإيران ثغرة لمواصلة تضليل العالم، في ظل التقدم المدروس، وان كان أبطأ، نحو القدرة النووية. وبالمقابل، فان هذا سيقيد اسرائيل بحيث يمنعها، على الاقل في المدى القريب، من أي امكانية للحصول على شرعية دولية لخطوة هجومية لتدمير المواقع النووية الايرانية.
العناصر المجهولة في المعادلة
هذا الاسبوع جرت الجولة الثانية للحوار بين ايران والقوى العظمى. في الجولة السابقة، في بداية الشهر في جنيف، تبلور المسار الاولي للصفقة: ايران تبعث بشكل مؤقت بـ 75 في المائة من مخزونها من اليورانيوم المخصب الى روسيا ومن هناك الى فرنسا. بعد معالجتها في خارج البلاد، تعاد المادة الى ايران على شاكلة قضبان وقود (وقود نووية) تكون صالحة فقط للاستخدام لاغراض البحث الطبي، ولا يعود ممكنا استخلاص اليورانيوم المخصب بمستوى عال منها، المستوى الذي تعد منه قنبلة نووية.
هلع كبير يدفع نحو انجاز اتفاق. معظم اجهزة الاستخبارات في الغرب تفترض انه حتى نهاية السنة سيكون لدى ايران يورانيوم مخصب بكميات كافية لانتاج قنبلة أو قنبلتين. من هذه النقطة وحتى اعداد منشأة نووية اولى (خلافا لرأس متفجر نووي الذي يمكن تركيبه على صاروخ والذي تُعتبر عملية تطويره أطول) يدور الحديث عن مسافة بضعة اشهر. الباحث الاميركي دافيد اولبرايت، من الخبراء الرواد في البرنامج النووي، يقول ان الحل الوسط المتبلور سيمنح الغرب زمنا محدودا فقط. ستحتاج ايران إلى سنة تقريبا كي تنتج ثانية كميات بديلة لتلك التي اجبرت على تسليمها، نحو 1,2 طن.
الصاروخ والمشكلة اليهودية
سيضطر اوباما بالتأكيد ان يسأل نفسه اذا كان مناسبا التوصل الى تسوية تؤدي الى ازالة كل العقوبات عن ايران، التطبيع الكامل مع الغرب وتعزيز المكانة الداخلية لاحمدي نجاد. وكل هذا، حين تترك صيغة الاتفاق، كما يظهرمن المسودة، الكثير من الثغرات التي يمكن لايران من خلالها أن تتقدم نحو القوة النووية، وان بوتيرة ابطأ من السابق.
هذا ما ستحاول اسرائيل شرحه للاميركيين، ولكن من الصعب أن نعرف اذا كانت تفسيراتها ستقع على اذان صاغية. النجاح المؤقت لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في "الا يخرج ساذجا" على حد تعبيره، وتأجيله استئناف المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية وتجميد البناء في المستوطنات، لم يسهم على ما يبدو في توطيد تعاطف زائد في واشنطن لوجهة النظر الاسرائيلية.
الامر الذي يوصلنا الى مسألة الصاروخ والمشكلة اليهودية. هل التسوية المتبلورة تغلق الباب أمام امكانية هجوم اسرائيلي؟ في الظاهر، نتنياهو مقيد باعلاناته الدراماتيكية من السنوات الاخيرة، فضلا عن انه على علم بثمن الخطأ في حالة تبين ان الايرانيين نجحوا في تضليل اوباما والوصول رغم ذلك الى القنبلة.
في المقابل، فان هجوما جويا اسرائيليا على المواقع النووية، بعد الاتفاق، لن يحظى بذرة تأييد دولي. يجب الانصات الى ما يقوله الخبراء الاميركيون: اسرائيل بحاجة الى موافقة ما من الولايات المتحدة كي تهاجم، من النواحي العملياتية المرتبطة بالقصف نفسه وحتى الاسناد والمساعدة في حال ردت ايران بحرب.
لذلك في اسرائيل، كما في اجهزة الاستخبارات الاخرى في الغرب، سيواصلون ترقب ومتابعة افعال الايرانيين بريبة، انطلاقا من الافتراض بان الاكاذيب والاضاليل ستنكشف في المستقبل. التهديد الفوري لقنبلة نووية ايرانية يبتعد بسنة على الاقل، و 2010 تبدو الان مخيفة أقل مما كانت تبدو قبل بضعة اسابيع. في الخلفية، يحتمل ايضا أن يطرأ تغيير ما في مركز الثقل في ميزان القوى الداخلي في المؤسسة الامنية: من شأن مركز الثقل هذا ان ينتقل من الجيش الاسرائيلي، الذي سيكلف في المستقبل بالهجوم الجوي، اذا تقرر ذلك، الى الموساد، المسؤول عن مواصلة مهمة الاحباط السياسي. وحتى الآن، القضية الايرانية بعيدة عن نهايتها.
("هآرتس" ـ الملحق الاسبوعي ـ 25/10/2009)
ترجمة: عباس اسماعيل
"المستقبل"




















