لم توقّع حركة حماس اتفاق المصالحة الفلسطينية/ الفلسطينية. هذا موقف كان متوقعا لأسباب تتجاوز حماس ومواقفها، تتصل بصراعات وحسابات عربية وإقليمية متنوعة يعرفها القاصي والداني. هل يعني موقف حماس أنها تتحمل مسؤولية فشل الاتفاق؟. وهل كان الاتفاق سينجح لو أن الحركة وضعت توقيعها إلى جانب توقيع فتح؟. وهل كان توقيع الاتفاق سينهي حقا الخلاف الفلسطيني/ الفلسطيني، وسيعيد الأوضاع إلى مربع وطني تتحد فيه قوى وسياسات المنظمات الفلسطينية جميعها، لتنعكس على المواجهة مع العدو المحتل؟.
تتحمّل حماس مسؤولية جسيمة هي الامتناع عن توقيع الاتفاق، والغريب أنها امتنعت عن توقيعه، رغم أنه لا يعني بالضرورة نجاحه، الذي يتطلب أشياء كثيرة تتجاوزه، أهمها إيجاد أرضية وطنية مشتركة تحيد تناقضات أطراف العمل الوطني، وتضع القضية في حاضنة تمنع الانقسام الفلسطيني، أو تجعله صعبا في حال سعى أحد إليه، وتلبي، في الوقت نفسه، حاجات التحرر الوطني وأهمها قاطبة وحدة الشعب والفصائل ضد العدو المحتل، التي يجب أن يخضع لها كل شيء وتغنيها كل علاقة ومصلحة، وتكبت بمساعدتها التناقضات الداخلية، وتؤجل وتعطل ريثما يتم إحراز الاستقلال، فيتركز الصراع الداخلي بعده على شكل الدولة المستقلة ونمط النظام المطلوب، ويعمل كل طرف لتحقيق برنامجه، سلميا وتحت سقف وطني لا يمس باستقلال الدولة أو بوحدة الشعب. إذا لم يتم التوصل إلى أرضية كهذه، تتضمن ردودا ملائمة وفعالة على رفض إسرائيل السلام، ورفضها قيام دولة فلسطينية إلى جانبها، فإن اتفاق القاهرة سيكون معرضا حتما للانتكاس والفشل. والحق، أن امتناع أي طرف عن إعطاء الأولية في عمله لبلورة هذه الأرضية سيجعله مسؤولا عن فشل الاتفاق، حتى إن وقّعه، وسيحمّله جزءا من المسؤولية عن استيلاء الصهاينة على ما تبقى من فلسطين، وطرد العرب
السؤال المهم، الذي يجب طرحه هو : لماذا نشب الخلاف بين حماس وفتح، وهل يكفي اتفاق القاهرة لعدم تجدده، في حال وقعته حماس وفتح وسائر المنظمات؟. لو كان الوضع الفلسطيني بخير، لما وقع خلاف أوصل حماس وفتح إلى حرب أهلية مصغرة في غزة، وحرب سياسية عامة في كل مكان. ولما أكل الخلاف رصيد فلسطين، حتى لم يبق منه غير أقل القليل. هذه هي النقطة المهمة، لا سيما وأن الأطراف الفلسطينية وقّعت مئات الاتفاقات في الماضي، دون الالتزام بها غالبا، فليس مستغربا أن توقّع اتفاقا إضافيا يمنحها بعض الوقت لتحسين مواقفها أو مواقعها، تنقضه بعد ذلك. المسألة الأساسية هي اليوم: كيف نبلور علاقة بين حماس وفتح لا تترك ثغرة تنفذ منها خلافات تتحول إلى تناقضات سرعان ما تصير عدائية، بينما تتراجع التناقضات مع العدو إلى مكان ثانوي، وتتيح له تناقضات الإخوة التلاعب بأطرافها وتدمير القضية الوطنية من جذورها؟. هل حماس وفتح مستعدتان لبلورة طريقة كهذه في التفاهم، تتضمن ضوابط سياسية وأمنية وتنظيمية وإدارية واستراتيجية وتكتيكية معلنة… تحفظ الوحدة الوطنية وتنميها وتبعدها عن منطق غالب ومغلوب، وطني وإسلامي، مستسلم ومقاوم… الخ؟. لو سلكت الحركتان هذا السبيل، لما كانتا بحاجة إلى توقيع اتفاق بواسطة غير فلسطينية، ولبادرت كل منهما إلى طرح رؤيتها حول سبل تحقيق هذا النمط من المصالحة، ولقاتلت من أجل إنجاحه، ليس من أجل تسجيل نقاط لصالحها في معركة تدمير الآخر، بل لإنقاذ فلسطين من هلاك أكيد، يقودها إليه صراعهما العبثي والسخيف.
هناك إذن أمران، أو مرحلتان :اتفاق بمسعى مصري، ومصالحة وطنية بمسعى فلسطيني. إذا كان الاتفاق مدخلا إلى المصالحة، فإنه سينجح، وستغلط حماس كثيرا إن رفضت توقيعه. أما إذا كان خطوة مرحلية تقبلها الأطراف نتيجة ضغوط عربية وإقليمية، فإنها ستفشل. وإذا احتجز الفشل مصالحة فلسطينية تتخطى أية مرحلية، أحاقت الكارثة بفلسطين. عندئذ، ستتحمل حماس وفتح مسؤولية ضياع تضحيات وحقوق شعبهما ووطنهما. فهل تبادر المنظمتان إلى إنجاز المصالحة، التي ليست اتفاقا مرحليا، أو مسعى عربيا أو إقليميا، بل تعبير عن الوطنية الفلسطينية بوسعه إنقاذها ورد الروح إليها، قبل أن تلفظ نهائيا أنفاسها الأخيرة؟!.
إن اتفاق القاهرة لن يعيش إذا لم تعقبه مصالحة وطنية من نمط قادر على إزالة أسباب الصراع الداخلي الفلسطيني، ما كان منها محليا أو عربيا أو إقليميا. بغير ذلك، فإن من اختلفوا مرة سيختلفون من جديد، ومن تقاتلوا أياما سيتقاتلون أسابيع. وإذا كان الاتفاق مجرد توقيع يضعه المرء اليوم على ورقة، فإنه سيمسحه عنها غدا أو سيتنكر له، ولن يعدم أن يجد من الحجج والذرائع ما يبرر سلوكه، ويمده بوقود للحرب الكلامية أو المسلحة، التي ستنشب بعد ذلك لتؤكد صحة موقفه !.
"المستقبل"




















