المستقبل –
قبل أربعة أيام، سقط من جديد ما يزيد على الثلاثين قتيلاً في مقديشو. ويرجع ذلك إلى أن رئيس الدولة كان ذاهباً إلى مطار العاصمة للسفر، قفصف "شباب المجاهدين" المطار بالمدفعية، وردّت القوات الافريقية على النار فأصابت سوقاً شعبياً يتجمّع فيه الناس. وهكذا كان ذلك "مناسبة" للقتل والجراح. لكن القتل بالصومال على الخصوص يمكن أن يتم بدون سبب. فقد بدأ عام 1993 وهو مستمر حتى اليوم. وفي السنوات العشر الأولى كان الحديث عن صراع بين أمراء الحرب من زعماء العشائر والقبائل. وتدخلت كل من اثيوبيا وارتيريا في النزاع، بينما حاولت كل من كينيا وجيبوتي بمساعدة أطراف اقليمية ودولية التوسط لحل النزاع. وقبل ست سنوات ظهر الحديث عن الإسلاميين الذين بدوا مبادرة شعبية لرفع العنف عن المدنيين، ولذلك فقد سمّوا أنفسهم المحاكم الإسلامية. وتطوّرت قوتهم فكادوا يقضون على أمراء الحرب، لكن الولايات المتحدة دفعت اثيوبيا للتدخل فضربتهم وأعادت أطراف الحكومة الموقتة، وذلك بحجة أن "المحاكم" مدعومة من "القاعدة". لكن دعم الاثيوبيين للحكومة الموقتة ضرب البقية الباقية من صدقيتها؟
وتدخلت الوساطات من أجل إقناع زعيم المحاكم بتولي رئاسة الدولة، إنما بعد انسحاب الاثيوبيين وانتخب البرلمان الموقت شيخ أحمد، الذي أقبل على التفاوض مع زملائه السابقين من الإسلاميين، وقد انشقوا عنه وشكلوا جماعتين؛ الحزب الإسلامي، وشباب المجاهدين. ورفض الفريقان زعيمهم السابق، وأقبلوا على مقاتلته، في حين توحّد تنظيمه مع بقايا عسكر الحكومة الموقتة وشرطتها، وتدعمهم القوات الافريقية، ولا يسيطر شيخ أحمد وبرلمانه وحكومته على أكثر من نصف مقديشو، وبقعتين أو ثلاثاً خارجها. وهكذا تنشب إطلاقات يومية للنار، تصغر أو تكبر، وليس بين الحكومة والإسلاميين (المتهمين أيضاً بالعمل مع "القاعدة") وحسب؛ بل بين الإسلاميين أنفسهم ومعالم الصراع جغرافياً واثنياً غير واضحة. لكن من المعروف أن كل مجموعة بما في ذلك قراصنة المحيط تسعى للوصول إلى الشاطئ والسيطرة على ميناء، أو صنع ميناء، تستطيع من خلاله ممارسة التهريب، واستيراد البضائع والسلاح، وبذلك يستمر القتل وتستمر الحياة وتتضاءل الآمال بالحلول، لأن الأفرقاء متقاربون في القوة، بحيث يصعب أن يتغلب أحد على الآخر لكن أحداً لا يقبل المصالحة أو التقاسم للسلطة أيضاً.
لقد مضى على الاضطراب بالصومال زهاء الستة عشر عاماً، وتدخل البلاد البائسة في العام السابع عشر، ولا أحد يعرف لماذا القتلى، لكن البعض يقدّرهم بربع المليون، أما المهاجرون والهاربون بحراً إلى خارج البلاد أو اللاجئون براً عبر اثيوبيا وارتيريا وكينيا وجيبوتي فيزيدون على المليون ونصف المليون، وتقدر منظمات إنسانية عدد القتلى أثناء الهرب إلى اليمن أو ما هو أبعد بالمائة ألف أو أكثر. وكأنما ما كفت هذه "الحيوية الفائضة"، فنشأت عصابات من الشباب لخطف السفن المارة بالمحيط، وسرقة محتوياتها، أو طلب فدية لإطلاق سراحها وإطلاق بحارتها. وبعد فترة من الانزعاج استبشرت خيراً، وقلت إنّ هذه الظاهرة ستدفع الدول التي تمر سفنها بالمحيط للتدخل وإنهاء الفوضى بالصومال، وإقامة حكومة مسيطرة، وذلك حماية لمصالحها، ومنها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والصين والهند وإيران ومصر.. إلخ. وتنادت تلك الدول بالفعل واجتمعت، لكن ليس لانقاذ الصومال، بل لإرسال سفن حربية إلى المحيط لمرافقة السفن التجارية! وما تبرع أحد للدفع للقوات الافريقية أو زيادة عددها أو حتى إرسال عسكر عربي (وعلى فكرة الصومال عضو بالجامعة العربية!) أو اثيوبي أو افريقي أقوى أو دولي لإنهاء سيطرة العصابات والمهرّبين والإسلاميين القاعديين وغير القاعديين!
إن طول النزاع في أي مكان يدعو للتشاؤم. لكن الأمر ليس يائساً فقد انتهت الحرب بلبنان بعد خمسة عشر عاماً. فلماذا ما دام الأمر كذلك لا يكون هناك تدخل فعال عسكري أو سياسي لإنهاء مأساة الصومال؟ هناك مَن يقول: لأن الصومال ليس مهماً مثل البلدان التي خف النزاع فيها، لكنه صار مهماً بالفعل، بسبب عمليات القرصنة في المحيط الهندي والمنطلقة منه، وبسبب حضور "القاعدة" فيه. وهكذا هناك سببان يجمعان كل العالم من حول الصومال. فإذا لم تنته المأساة لأسباب إنسانية، فلتنته لأسباب تتعلق بمصالح الدول الكبرى وأمنها. لكن، متى يحدث ذلك؟
وإذا كان استمرار العنف غير مفهوم في الصومال، فهو غير مفهوم أكثر في العراق. ففي العراق الآن بالإضافة إلى الأميركيين حوالى نصف المليون عسكري ورجل أمن. وما عادت "القاعدة" تملك قوة أو أنصاراً يستطيعون القيام بعمليات كبيرة، وليست لدى مختلف "التكوينات السياسية" والشيعية المشاركة في السلطة دوافع قوية أو معروفة للخوض في الدم. وكذلك الأمر بالنسبة للأكراد، والذين يتحدثون عن العنف وصدوره عن "القاعدة" غير جدّيين. لكن هناك مَن يتحدث عن تحالف بين البعثيين أو بقاياهم والنقشبنديين وهم فرقة صوفية صاعدة إنما الملاحظ أن العنف الهائل الذي يتجدد مثلما حصل قبل أيام قليلة هو عنف ضد الدولة أو السلطة الجديدة، فقد قُتل زهاء الخمسين في تفجير عند وزارة العدل وقبل شهرين قُتل نحو المائة عند وزارة الخارجية، ووقتها اتهمت الحكومة سوريا، فمَن ستتهم الآن بالجريمة الجديدة؟
قبل عامين، ذكرت احصائيات رقم المليون للقتلى من العراقيين منذ الغزو الأميركي عام 2003. أما المهجّرون بين الداخل والخارج، فيزيد عددهم على الثلاثة ملايين. وإذا اضيفت إلى هذه الخسائر والضحايا البشرية، الخسائر المادية، فإنّ العراق يأتي في الشرق الأوسط ثالثاً بعد الفلسطينيين والجزائريين. وقد تحدث كثيرون أخيراً عن سببين لاستمرار العنف: عدم حصول المصالحة الوطنية، وتدخل الدول المجاورة في الشأن العراقي. والواقع أن هناك مشكلات معقدة وصعبة بالداخل العراقي، تحتاج لنفَس طويل من أجل حلها. لكن العنف نفسه يحول دون الإقبال على المفاوضات والتسويات والحلول. ولا أتصور إمكان التغيير بالقوة في العراق، بل لا تغيير إلا بالإقبال على المشاركة في العملية السياسية وبخاصة بعد تراجع التدخل الأميركي السياسي والأمني. وبهذا المعنى تصبح الانتخابات المقبلة فرصة تاريخية لكل أولئك الذين يريدون زيادة حصتهم أو مشاركتهم في السلطة. أما دول الجوار، فالحيرة فيها ومنها تشبه الحيرة من جانب اللبنانيين، إذ لماذا ما يزال هذا الطرف أو ذاك يظن بإمكان الابتزاز أو المبادلة مع الدول الكبرى، من خلال نصرة العنف في لبنان أو العراق أو اليمن أو فلسطين؟!




















