«نحن نوافق على الإطار العام للاتفاق (السلة) وعلى صياغة معظم بنوده لكن لدينا ملاحظات على بعض النقاط التي تحتاج في رأينا الى تعديل كي يعطى كل طرف حقه ولا يشعر بنفسه مغبوناً. والمهم اننا سنعطي جواباً على ما هو مطروح علينا، لكننا ننتظر ايضاً اجوبة عن تساؤلاتنا المحقة لإزالة الغموض الحاصل وبناء الثقة».
لو أخذنا هذا المقطع ووضعناه في صلب موضوع عن الموقف الايراني من المفاوضات مع الدول الست المعنية بملف طهران النووي في جنيف حول تخصيب اليورانيوم لوجدناه يتماشى مع الأسلوب العام الذي تتبعه ايران في إطالة الوقت وتحسين الشروط وإشغال المفاوضين الغربيين والإلتفاف على قائمة المطالب والمهل وتلافي تقديم إجابات واضحة او محددة.
ولو أخذنا المقطع نفسه ووضعناه في صلب موضوع عن موقف المعارضة اللبنانية من سلسلة الاقتراحات التي قدمها حتى الآن رئيس الوزراء المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري لوجدنا انه يتماشى تماماً مع الأسلوب الذي تتبعه في التفاوض معه وتبادل الادوار بين اطرافها … وأيضاً في إضاعة الوقت والجهد وغمغمة الاجابات وتكرار الاسئلة والتعجيز ومعاودة طرح الشروط بصياغات جديدة.
انها محاولة «شطارة» ايرانية هناك واستنساخ لها هنا، كأن وراءهما مايسترو واحداً يحرك الخيوط والدمى، بهدف وحيد: انهاك «الخصم» وفرض وجهة نظره عليه و «إقناعه» بأن عليه تقديم المزيد من التنازلات الى ما لا نهاية.
لا تتوقف طهران عن دعوة الآخرين الى الاعتراف بحجمها ودورها المبالغ فيهما من دون أسانيد فعلية، باستثناء القدرة على المشاغبة والتعطيل، لكنها لم تستطع ان تقنع احداً، ولا حتى تركيا الاطلسية التي تسعى هي ايضاً لاستعادة دور مفقود، بأنها الطرف المؤهل لملء «الفراغ الاقليمي» الذي تجزم انه حاصل بسبب النكوص الأميركي والضعف الأوروبي. ومع ذلك فهي حريصة على ان لا تصل الى مرحلة صدام مع هذا الغرب، على رغم اعتقادها أنه منشغل بتسوية أوضاعه الداخلية اكثر مما هو قادر على حل مشكلات العالم.
وتتصدر «الساحة» اللبنانية الوسائل التي تستخدمها ايران للدفاع عن موقفها في المفاوضات النووية. فأمن لبنان واستقراره رهن بالتوصل الى حل هناك، وتشكيل حكومته ولونها وبرنامجها تتوقف على ما يمكن ان تحصله طهران من «الأعداء»، لأن جبهته الجنوبية يجب ان تظل مفتوحة وجاهزة للاستخدام والضغط على الاميركيين، ولأن ولادة حكومة وحدة وطنية فيه، وفق الموازين التي انتجتها الانتخابات التشريعية، ستعني توافقاً على اعادة عجلة مؤسسات الدولة الى الدوران، وسيكون صعباً على اي طرف داخلي تعطيلها مجدداً من دون حجة مقنعة تتجاوز بكثير اسم وزير او حقيبة. واذا كان لا بد من قيام حكومة منعاً لإحراج الحلفاء كثيراً، فلتكن هشة ومخترقة ومغلولة القرار ومعرضة في شكل دائم للإهتزاز وحتى الانفراط عند كل عقدة تظهر في جنيف او في «ساحة» اخرى.
يتباهى الايرانيون بأنهم يفاوضون مثلما يلعبون الشطرنج التي يؤكدون انهم اخترعوها. لكنها تحولت الى لعبة مملة. والخشية ان يأتي يوم يشعر فيه اللاعب الآخر انه لم يعد امامه سوى ان يقلب الطاولة … وبيادقها.
"الحياة"




















