عاشت منطقتنا العربية أربعة عقود من الفوضى السياسية، زعامات أرادت أن تحرر القارات المنكوبة بتحالفات وصداقات ونشر ثقافة الثورة، وأخرى كانت أقل حماساً من هذه المراهقة المبكرة، والنتيجة كانت فشلاً سياسياً وعسكرياً وتدهوراً اقتصادياً ندفع فواتيره إلى اليوم..
إيران تستعير أو تجلب تلك المرحلة بأدواتها العتيقة، فهي ستحرر فلسطين وتمحو العدو، بينما هي تتفاوض مع إسرائيل سراً، وتحارب الإرهاب لكنها تؤوي قيادات من القاعدة ، وترسل فتاواها وتعاليمها من خلال فكر ولاية الفقيه، بينما العالم الإسلامي تعداده الأكبر سنيّ..
في فتوى السيد خامنئي، يدعو إلى معاملة حجاج إيران بشكل منفرد، أي السماح لهم بحق التظاهر ورفع الشعارات وصور الخميني، ولعن أمريكا والغرب وإسرائيل، لكنها بالمقابل لا تستطيع السماح بتشييد مسجد سني في طهران، وأحد المستحيلات، أن تقبل بأن تتظاهر أقليات في مواقعها مطالبة بحقوقهما، وتقمع مظاهرات الإصلاحيين في المدن الإيرانية وتبعث بعضهم للسجون والمحاكم..
لقد دعونا زعامات إيران في زيارات رسمية ومواسم الحج رغم الضغوط من جهات أجنبية، وحاولنا إصلاح الخلل لاعتبارات تجعل الشراكة في الميادين المفتوحة أكثر تناسباً مع طبيعة البلدين، لكن الصورة التي تحملها القيادات الإيرانية عن تصدير الثورة ظلت الهاجس والهدف محاولةً نسيان أن لكل بلد استقلالَه ونفوذه وعلاقاته الدولية، وأن العالم الإسلامي لا يحتاج إلى وصيّ عليه طالما كل بلد لديه قانونه الاجتماعي، وأن الخلافة الإسلامية ليست واردة في عصر الدولة الحديثة والعالم الذي تسوده المصالح لا الأيدلوجيات وتصديرها..
وإذا كانت حجج التظاهرات مبنية على رؤية إيرانية، فالعالم الإسلامي برمته لم يطلب أن يتظاهر لنقل معاركه الداخلية والخارجية بذات الأعذار الإيرانية وبسطوة الحكم الشيوعي الذي أغلق الكنائس ودور عبادة المسلمين ، ونفى شعوباً برمتها من مواقعها الأصلية أن شهدنا البابا يخرج في مظاهرة من الفاتيكان ويدعو الكنائس للاحتجاج ودق الأجراس، وإعلان الإضراب العام بسبب سوء سلوك الحكومات الشيوعية المتعاقبة، وإنما تعامل الغرب بما أنهك السوفيات اقتصادياً وسياسياً ليزول بفعل المجابهات السلمية قبل العسكرية..
العالم الإسلامي، وخصوصاً إيران، مدعوة لأنْ تدرك أن المجابهة مع الأعداء، هي الوصول إلى التساوي مع قواهم التقنية والعلمية واشتراطات تعميم الحريات وبناء الداخل بمواصفات من يريد أن يبني مؤسسات حديثة، أي رفع مستوى دخل المواطن ، والاهتمام بمتطلباته قبل إغراقه بالديون والتسلح وتحويل الطاقات إلى أهداف مغايرة للمنطق والعقل، وإيران، في كل الأحوال دولة مسلمة، وإذا ما نزعت أن تكون قوة سلمية واقتصاية وعلمية فإنها سوف تكون إضافة إلى قوة العالم الإسلامي..
أما أن تختار المواجهة بأساليب الشحن العاطفي، وتأليب الشعوب على سلطاتها، فإن هذه الأسلحة باتت عتيقة، وأكثر من أكل من خزان مرارتها هم العرب..




















