غسان شربل
أعرف أن مشاغلك لا تحصى. ومفكرة رحلاتك ومواعيدك مثقلة. وأن أزمات كثيرة تنتظر لمستك. وأن حقل اهتماماتك يشمل الشرق الأوسط الكبير ويتخطاه. وأن بلادك تحلم أن تكون جسراً وترجماناً. وأنك منشغل بالعلاقات بين الدول والعلاقات داخلها. وأنك تحمل في حقيبتك أفكاراً وتمنيات وحلولاً وضمادات وعقاقير. وأنك داعية استقرار وازدهار. وأنك تحضُّ محاوريك على الخروج من جروح التاريخ. وفتح الحدود. وشبابيك المستقبل. وأنك تكافح بؤر النار بمنطق التسوية والتعاون والاستثمار.
وأعرف أن لديك تصوراً لمستقبل تركيا. ومستقبل الإقليم. وأنك منهمك بملفات حساسة وخطيرة. وأن نجاحك قد يغيّر سياسات وقواميس. ويعيد أرضاً محتلة ويغيّر مشاهد مزمنة وموازين. وأنك تفضل التصدي للمشكلات بدلاً من تركها في عهدة طبيب اسمه الوقت. وأن بلادك انتفضت على نزاعاتها المزمنة. وقررت إنهاءها في الداخل والخارج. واختارت العيش بلا أعداء. واعتمدت نهج «صفر من المشاكل».
لم يكن مشهداً عادياً أن تهبط طائرتك في أربيل. في عاصمة إقليم كردستان العراق. وأن تصافح مسعود بارزاني. رئيس الإقليم ووريث الحلم الكردي الشائك. وأن تفتح بلادك قنصلية في عاصمة الإقليم.
قبل حفنة أعوام لم يكن المشهد ممكناً. كان جنرالات أتاتورك يرون في أكراد الداخل خطراً. وفي أكراد الخارج خطراً. ولم يكن لديهم غير دواء وحيد. القمع في الداخل. وعبور الحدود لتعقب الخطر المتنامي وراءها. وها أنت تقلب الصفحة من أربيل. سمعتك تقول: «تشكل هذه المنطقة مصلحة كبيرة بالنسبة إلينا ونريد بناء علاقات جيدة في الشرق الأوسط مع العرب والتركمان والأكراد والشيعة والسنّة». لغة المصالح. والاستثمار في بناء المستقبل.
أخاطبك. أنا العربي. أنا اليتيم في الإقليم. قتلتني الغيرة حين شاهدت صورتك مع بارزاني. منذ شهور ونحن نتحرق لنرى وداً مشابهاً في صورة تجمع محمود عباس وخالد مشعل. وفشلنا. رغم أن أرضهما محتلة. والمستوطنات تنهش تراب فلسطين. والتهديدات تحدق بالقدس وركائز المسجد الأقصى. هذا فظيع. حوارات. حوارات. حوارات. بنود وتعديلات. براعة في التفاوض والالتفافات والتعقيدات. والأرض تضيع. والقضية تضيع.
أخاطبك. أنا اللبناني. أنا اليتيم في لبنان. بلادي عارية من الحكومة منذ خمسة أشهر. ويمكن القول إنها عارية من كل شيء. حفلة تعرٍّ مخجلة. لا الدستور يحمي ولا القانون. عصفت بالبلاد أحداث تفوق قدرتها. عصفت بالتركيبة تحولات بنيوية غير مسبوقة. توقفت البلاد عن إنجاب الشهداء، لكنها لا تَعِد الأحياء بغير موت بطيء وطويل.
لا تحتاج يا أحمد داود أوغلو الى من يشرح لك. بلادنا مصابة بنقص المناعة الوطنية. بانقسامات عميقة. بتشرذم طائفي ومذهبي. مؤسساتنا كرتونية. أمننا هش. لا الاشتباكات تخرجنا من النفق الى التسوية. ولا الانتخابات تحل المشكلة. مجموعات خائفة. ومتربصة. تحالفاتها الخارجية أكبر منها. أوهامها الداخلية مواعيد اشتباك.
تعرف يا معالي الوزير أن القصة ليست قصة وزير. وأن الحقائب سقيمة لكن العواقب وخيمة. وأن المسألة تتخطى إعادة فتى الى مكتبه لضمان مستقبله. وتتخطى إرضاء راعيه بحقيبة «دسمة» مرافقة. وأنها قد تكون قصة تباينات في الإقليم أو افتراق حسابات.
الوقت يدهم. بلاد مفتوحة ومكشوفة. بيروت تكاد تشبه كركوك لا اربيل. سياسيون يحذرون من الفتنة ويشرعون لها الأبواب. لا شيء يضمن ردع رياح العرقنة إنْ هبَّت. وضعنا سيَّئ. الانحدار سريع ومريع. هذا الركام يحتاج الى خياط ماهر. لإبرام هدنة. ومعاهدات عدم اعتداء. وأنت صاحب خبرته. وكلمتك مسموعة في الإقليم. لا تتركنا يا داود أوغلو.
"الحياة"




















