«الاتفاقية الأمنية» العراقية ـ الأميركية، تطرح اليوم على مجلس النواب العراقي للتصويت عليها؛ من دون حصول توافق بشأنها. دار حولها وعلى مدار أشهر، الكثير من الأخذ والرد والتعديل. ومع ذلك بقيت من دون إجماع. وثيقة من هذا النوع وبهذه الأهمية والحساسية، كان من المصلحة الوطنية؛ تحقيق التفاهم حولها، قبل عرضها على المجلس. أو أن يصار مسبقاً، إلى الاتفاق على الآليات القانونية، اللازمة لتمريرها. هكذا كان يمكن الفصل بخصوصها، من دون تسخين للأجواء، في عراق عانت أوضاعه طويلاً من ارتفاع درجة السخونة؛ وإلى ما فوق حدود الاحتمال.
في غياب مثل هذا التفاهم، يتمسك كل طرف بحيثياته. المدافعون عن الاتفاقية، يرون أنها تمهد «لانسحاب القوات الأميركية من العراق وتسير باتجاه السيادة الوطنية والحفاظ على المصلحة العليا». ويضيف هؤلاء بأن رفض الموافقة يعني، إما مطالبة أميركا بالانسحاب من العراق، فور انتهاء التفويض الدولي، في آخر ديسمبر القادم»؛ وإما العمل على «تجديد التفويض الدولي لبقاء القوات الأميركية في العراق، عاماً آخر».
المعارضون، يشيرون إلى «بنود في الاتفاقية، تشكل خطورة على مستقبل العراق». لذا هم يطالبون بإسقاطه برلمانياً، وفق الآليات الدستورية». هذه الأخيرة حسب ما هو منصوص بشأنها، في مشروع قانون لم يصدر بعد؛ تقضي بضرورة موافقة ثلثي أعضاء البرلمان، بنصابه القانوني؛ من أجل تمرير الاتفاقية. وهم يطالبون بتأجيل التصويت لحين صدور هذا القانون. ويهدّدون باللجوء إلى المحكمة الدستورية للبت وتحديد آلية التصويت؛ وما تقرره من وجوب توفر أغلبية مطلقة، أو بسيطة، أو بالثلثين.
حتى هذه النقطة، لم يخرج الموضوع عن دائرة الخلاف المشروع. مع أنه في الأيام الأخيرة ارتفعت درجة الاحتقان وعادت التفجيرات تطل برأسها. لكن الجدل إجمالاً ما زال ضمن حدوده المفهومة. وهو مطلوب أن يبقى في هذا الإطار. أما كيف يصوت المجلس، فهذا شأنه كما شأن العراقيين. هذا استحقاق من مصلحة العراق طي صفحته، بما يحفظ ويصون المصلحة الوطنية، بأقصى الحدود المتاحة؛ التي يعود تقديرها للعراقيين، المسؤولين عن تعريفها وتحديدها.
أهمية تجاوز هذا الامتحان، ولو على مضض، تكمن في أنه يضع الأهم على نار حامية. بالتحديد، مسألتي الوفاق الوطني والخلاص النهائي من الاحتلال وأي تواجد عسكري أجنبي فوق أرض العراق؛ بعد انتهاء مدة الاتفاقية وعلى الفور. من دون هذين الشرطين، ومع وجود عسكري خارجي على الأرض، بغض النظر عن القواعد والاتفاقيات التي تحكمه؛ تبقى استعادة السيادة الكاملة مهدّدة. وحده التوافق، وليس استمرار المحاصصة، يكفل تحقيق مثل هذه العودة.



















