تتعدد المآزق التي يواجهها الائتلاف الحاكم في دولة الاحتلال الإسرائيلي عموماً، ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو خصوصاً، وتتنوع بين الفشل العسكري في إنجاز أي من الأهداف المعلنة مع دخول حرب الإبادة ضد قطاع غزة شهرها السادس، وبين مواجهة شارع ساخط لم تعد احتجاجاته العارمة تكتفي بمطالب الإفراج عن الرهائن الإسرائيليين لدى المقاومة الفلسطينية بل باتت تطالب بإسقاط الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة. غير بعيد عن مناخات التأزم ما تشهده العلاقات الإسرائيلية ـ الأمريكية من توتر حول طرائق إدارة الحرب ضد القطاع واستهتار نتنياهو بالمخاطر التي أخذت تكتنف إعادة انتخاب الرئيس الأمريكي جو بايدن.
ومؤخراً قفزت إلى واجهة الأزمات قضية الاستمرار في إعفاء اليهود الحريديم من الخدمة العسكرية أو تجنيدهم امتثالاً لأمر المحكمة العليا الإسرائيلية التي رأت أن منحهم هذا الامتياز يتناقض مع مبدأ المساواة. وهذه وجهة أولى للتأزم، بالنظر إلى اتساع دائرة التناقض بين الهيئة القضائية الأعلى من جهة، وحرص نتنياهو على إرضاء اثنين من الأحزاب الدينية التي يمكن أن تقوض تحالفه الحاكم وتتسبب في انتخابات مبكرة تنذر معطياتها بهزيمة نتنياهو من جهة ثانية. ولا تغيب عن هذا التناقض حقيقة صارخة تتمثل في أن النائب العام والمستشارة القانونية للحكومة، فضلاً عن وزير الدفاع نفسه، يؤيدون فتوى المحكمة العليا.
جانب آخر جدير بالإشارة هو أن إعفاء طلاب دراسة التوراة الحريديم كان ركناً تأسيسياً في إقامة دولة الاحتلال على ركائز دينية كذّبت سريعاً مزاعم الصهاينة المؤسسين حول «العلمانية» و«الديمقراطية» إذ أن الإجراء اتُخذ منذ سنة 1948 بقرار من دافيد بن غوريون شخصياً ضمن مسعى لإرضاء الحاخامات والتيارات المتدينة. وليس أدلّ على الجذور الإيديولوجية العميقة لهذا التدبير من الشعارات التي رفعتها مؤخراً مجموعات الحريديم الرافضة للتجنيد، فجزمت لافتة أولى: «نموت ولا نتجند» وقالت أخرى: «خذونا إلى السجن وليس إلى الجيش».
جانب ثالث اقتصادي عكسه موقف البنك المركزي الإسرائيلي الذي تدخل في السجال وطالب بإخضاع الحريديم للتجنيد لأسباب مالية في المقام الأول، لأن تكلفة تجنيد الاحتياط في ظروف الحرب تبلغ 6 مليارات شيكل سنوياً، وتجنيد 9 آلاف حريدي سوف يوفر 60٪ من هذه الكلفة، عدا عن أن ضمّ هؤلاء إلى الجيش سوف يسفر تلقائياً عن تقصير فترة الخدمة الإجبارية بمقدار 7 أشهر، وسينعكس إيجابياً على سوق العمل. وهذا استنتاج يرفضه أرييه درعي زعيم حزب «شاس» الديني المتشدد، الذي يجادل بأن تنفيذ قرار المحكمة العليا إنما «يدمر أساس الهوية اليهودية لدولة إسرائيل».
ولأن الحريديم يشكلون اليوم نسبة 13٪ من عدد السكان اليهود في دولة الاحتلال، ومن المتوقع أن يصلوا إلى 32٪ في سنة 2065 بالنظر إلى معدلات التكاثر العالية في صفوفهم، فإن هذا المأزق يتصل بركيزة بنيوية وتكوينية تتجاوز الديني والسياسي، وهي معضلة متأصلة تتجاوز مناورات نتنياهو وألاعيبه لإنقاذ ائتلافه من التفكك، وهو أيضاً ميدان افتضاح مضطرد لخرافة «الواحة الديمقراطية الوحيدة» في الشرق الأوسط كما يتشدق أنصار دولة الاحتلال.

























