خاض الرئيس الاميركي المنتخب باراك أوباما حملته الانتخابية على أساس ان البند الاول في سياسته الخارجية المتميزة هو العراق. واضاف الى ذلك في وقت لاحق اعتبار ان جبهة المواجهة الاولى هي افغانستان، وبن لادن.
القضية الفلسطينية لم تحظ بالاهتمام خارج السعي التقليدي لاعلان الصداقة لاسرائيل لانها تراوح منذ اشهر، بل سنوات.
التطورات الاخيرة في العراق، والاتفاق الامني الذي ينتظر ان تبرمه الجمعية الوطنية العراقية مع الولايات المتحدة تخصم الكثير من جدول الاعمال العراقي للرئيس المقبل.
اما الاولوية الافغانية التي اعلنها فقد سبقه اليها تنظيم "القاعدة" الذي قرر نقل عملياته الاساسية من بغداد الى افغانستان.
القرار "القاعدي" له علاقة ليس بنجاحات عسكرية اميركية مفاجئة بقدر ما له علاقة بالتقاء "استراتيجي" بين الاحتلال الاميركي الباحث عن مخرج، وعشائر العراق السنية التي ملّت استضافة "القاعدة".
الانتفاضة العشائرية السنية ضد "القاعدة" هي العامل المبدّل، والمساهمة الاميركية هي في التقاط أزمة السنّة والمبادرة الى دعم العشائر بالمال والسلاح.
الوضع في افغانستان وعلى الحدود الافغانية الباكستانية مختلف. الحاضنة الشعبية هناك واسعة وطاقتها القتالية ما زالت في مراحلها الاولى.
المفارقة هي ان جورج بوش، المهزوم انتخابيا، هو الذي أمّن لأوباما اساس اولوياته الجديدة، فيما الرئيس السابق لا زال يتلقى اللوم على ادخال اميركا في المأزق العراقي.
بذلك يمكن القول إنه قبل اقل من شهرين على استلام الرئيس الجديد مهماته لم تعد الساحة الافغانية – العراقية نقطة اختلاف بين ادارة قديمة وجديدة، فالانسحاب من هنا والانخراط هناك باتا مجال توافق اميركي يتجاوز سياسات الحزبين الجمهوري والديموقراطي.
حتى الموقف من القدرات النووية لم يعد متباعدا بين الادارتين المنتهية والبازغة. فجورج بوش تخلى تدريجا عن الخيار العسكري لمصلحة الضغوط "الديبلوماسية" على طهران، وباراك اوباما قلل كثيرا من نبرة دعوته للحوار مع طهران. وقد التقيا عند ضرورة تشديد العقوبات على ايران باعتباره الطريق الوحيد لتجنب ايران نووية.
أما اذا لم تفلح فلا شيء يدل على ان الخيار العسكري الاميركي واقعي سواء أكان اوباما في الرئاسة ام منافسه.
ربما الامر الشرق الاوسطي الوحيد الذي سيضع الادارة الجديدة امام تحدي سياسة جديدة هو القضية الفلسطينية.
وعلى هذا الصعيد معروف ان سياسة ادارة بوش كانت المراوحة لمصلحة اسرائيل، حتى عندما اطلقت مؤتمر أنابوليس قبل عام.
ادارة اوباما ستصل الى القضية الفلسطينية من اكثر من طريق، بينها استئناف اهتمام ادارة بيل كلينتون في ولايته الثانية بالوصول الى حل نهائي لها. لكن بينها ايضا ما هو أهم.
ذلك ان اعادة الاولوية الى محاربة ارهاب "القاعدة" سيفتح من جديد ملف تجفيف منابعه. وهنا ستكون ادارة اوباما معنية ليس بنشر الديموقراطية في العالم العربي، وانما بكيفية ايجاد حل للقضية التي تشكل ميدان الاشتباك الاول بين اميركا والعالمين العربي والاسلامي.
مشكلة اوباما ستكون ان الظروف الاقليمية ملائمة للبحث عن حل للقضية الفلسطينية فيما الظروف "المحلية" ستكون على الارجح معاكسة.
واول هذه الظروف اتجاه المجتمع الاسرائيلي يميناً، مع احتمال كبير بأن يتولى رئيس وزراء اسرائيلي كبنيامين نتنياهو عرقلة اي مسعى جديد اميركي لتحريك السلام على المسار الفلسطيني. وبذلك نعود الى مشكلة تقليدية: عدم تناغم الادارتين الاميركية والاسرائيلية (يميناً ويساراً).
وثاني هذه الظروف، الانشقاق الفلسطيني المتمادي والمؤهل، مطلع السنة المقبلة، اي مع استلام اوباما مهماته، بالتحول ازمة مستعصية مع رئيسين ومجلسين تشريعيين بعد الحكومتين.
"النهار"



















