عقب انهيار الاتحاد السوفياتي واصلت الاندفاعة الأميركية باتجاه الدول التي نشأت على أنقاضه، لمحاولة القضاء نهائياً على أي أمل في إعادة وصل ما انقطع بينها من علاقات، أقل ما يمكن وصفها به هو بأنها تاريخية.
تشكل اوكرانيا النموذج المثالي لهذه السياسة، فقياداتها المتعاقبة منذ الاستقلال واظبت على السير بعيداً عن روسيا، حتى بلغت مداها مع الثورة البرتقالية عام 2004. ومع الرئيس الأوكراني الحالي انقلب التباعد الى عداوة بين الشعبين بعد تفعيل حملة اعادة تشكيل الوعي التاريخي للشعب الأوكراني انطلاقاً من احياء ذاكرة المجاعة التي مر عليها ثلاثة ارباع القرن، وتشويهها لتصبح أرضية صالحة لإنبات الكراهية.
في هذا الاطار يأتي اعلان الرئيس الأوكراني العام الماضي ان العام 2008 سيكون عاماً لتخليد ذكرى مجاعة 1932 ـ 1933، ليشكل مع اعتماد الخامس والعشرين من تشرين الثاني يوماً لإحياء ذكرى الضحايا الأوكرانيين الذين قضوا خلالها، احدى مرتكزات حرب باردة جديدة مع روسيا. يأتي ذلك ضمن حملة اعلامية قوية مدعومة من قبل الأميركيين تهدف الى تزوير الوقائع، واعادة كتابة التاريخ بما يتناسب والأهداف السياسية لحلفائه، والتي ترمي الى توسيع الهوة بين الشعبين الروسي والأوكراني، انطلاقاً من تصوير المجاعة على أنها جريمة ابادة جماعية ارتكبها الروس بحق الشعب الأوكراني. بغض النظر عن أن المجاعة طالت معظم أرجاء الاتحاد السوفياتي السابق الغنية بمواردها الزراعية وخاصة تلك المنتجة للقمح مثل (كوبان، ضفاف نهر الفولغا، سهول الأورال الجنوبية، سيبيريا الغربية، شمال القوقاز…). وبعد السعي الحثيث لفريق الرئيس على مدى سنوات من أجل احداث انقلاب في معنى المجاعة، وترسيخه بالتالي في الوعي الجماعي للشعب الأوكراني، انطلاقاً من أن سياسة المجاعة المفتعلة في المناطق الزراعية خارج أوكرانيا كانت جريمة ابادة بحق الفلاحين بسبب انتمائهم الطبقي. في حين ان تجويع الأوكرانيين كان بسبب انتمائهم القومي. متجاهلين الواقع الديموغرافي للقسم الشرقي من أوكرانيا والذي ضربته المجاعة، حيث شكّل الروس غالبية سكانه، وان من بين أصحاب المراتب العليا للسلطة آنذاك لم يكن الأوكران أقلية.
بعد مضي 75 عاماً على المأساة ما زال الرقم النهائي لعدد ضحاياها موضع نقاش، اذ تتراوح التقديرات من 4 الى 7،5 ملايين ضحية في مختلف مناطق الاتحاد السوفياتي. فكتب التاريخ لم تأتِ على ذكر المجاعة نظراً للتعتيم الذي فرض لأكثر من نصف قرن، ولم يكن باستطاعة المؤرخين الوصول الى الوثائق الخاصة بالمجاعة الا مع انتهاء ثمانينات القرن الماضي. كذلك شكلت الأسباب الحقيقية التي دفعت بالسلطات لارتكاب مثل هذه الجريمة بحق شعبها مادة للنقاش في أوساط المؤرخين الذين انقسموا الى فريق مؤيد للرأي القائل بأن الحاجة المحلة الى زيادة ايرادات الدولة من العملة الصعبة، في ظل هبوط أسعار القمح في الفترة التي أعقبت أزمة الكساد العالمي، فرضت زيادة حجم الصادرات بكافة الوسائل لتعويض هبوط الأسعار، بغض النظر عن تدني مستوى الانتاج، ولو على حساب أرواح أهالي القرى الزراعية. وآخر يعتبر ان المجاعة كانت بمثابة عقاب للفلاحين على رفضهم لسياسة ستالين الزراعية القائمة على فرض نمط العمل والانتاج الجماعي (كولخوز). في حين يرى آخرون ان ستالين لم يكن راضياً على الفلاحين، باعتبارهم طبقة باتت خارج التاريخ، ولم تعد ضرورية للمجتمع الصناعية المنوي بناؤه، وللقضاء عليها باشر بتطبيق سياسته المتشددة حيال قطع تواصلهم مع أراضيهم، عبر نقلهم واعدة اسكانهم في مناطق أخرى.
في خضم الأزمة السياسية الراهنة التي تمر بها أوكرانيا بعد انهيار الائتلاف البرتقالي الحاكم نتيجة للصراع الدائر على السلطة، ومع اقتراب الذكرى السنوية للمجاعة وبالتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات المبكرة. نجد الرئيس يلجأ الى تسخير المأساة واستعمالها كوسيلة ضد خصومه من الشيوعيين وحزب المناطق مستغلاً لذلك مواد القانون التي تم اقرارها سابقاً للاعتراف بجريمة الابادة.
أما دولياً فقد حظي موضوع الاعتراف بمجاعة 1932 ـ 1933 على تأييد الكونغرس الأميركي بوصفها جريمة ابادة ضد الشعب الأوكراني. بينما رفضت موسكو الاعتراف بذلك بالرغم من كل تطمينات الرئيس الأوكراني ووعوده بعدم المطالبة بالتعويض أو ما شابه، كان لافتاً الموقف الأوروبي أخيراً الذي رفض الاعتراف بالمجاعة وفقاً للتحديد الأوكراني، بل اعتبرها جريمة بحق الانسانية. ما يعكس رغبة الاتحاد الأوروبي في الوقوف على الحياد وعدم إغضاب روسيا، الأمر الذي سيرخي بظلاله على مستقبل أوكرانيا الأطلسي والأوروبي.
"المستقبل"




















