ما أن تم إخراج الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب من مسرح الحدث، حتى انطلقت موجة محمومة من التكهنات والتفسيرات، التي أطلقها مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي، وكانت عبارة عن موجة ضخمة من الاتهامات ونظريات المؤامرة المتعددة الاتجاهات. وعلى مدار التاريخ الأمريكي، مثلت محاولات اغتيال الرؤساء مصدر جذب لنظريات المؤامرة، والكل يتذكر عملية اغتيال الرئيس جون كينيدي في نوفمبر/تشرين الثاني 1963 التي ما تزال محاطة بالعديد من نظريات المؤامرة حتى الآن.
لذلك ليس من المستغرب أن تنتشر الشائعات التي لا أساس لها من الصحة حول ما حدث في بنسلفانيا، لكن يبقى السؤال الأهم هو كيف استحوذ هذا الجنون على جميع جوانب الطيف السياسي الأمريكي؟ كما هو الحال دائما، بدأت نظريات المؤامرة بأسئلة مشروعة، تركزت حول الإخفاقات الأمنية، إذ تساءل الكثير من مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي عن كيفية حدوث ذلك؟ كيف وصل المهاجم إلى السطح؟ لماذا لم يتم إيقافه؟
بدأت نظريات المؤامرة بأسئلة مشروعة إذ تساءل الكثير من مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي عن كيفية حدوث ذلك؟ كيف وصل المهاجم إلى السطح؟ لماذا لم يتم إيقافه؟
وفي خضم الفراغ الإخباري اندفعت موجة من عدم التصديق والتكهنات والمعلومات المضللة. وقد كتب أحدهم تغريدة حصلت على مليون مشاهدة هي؛ «يبدو الأمر منظما للغاية. لا أحد في الحشد يركض أو يشعر بالذعر. لم يسمع أحد من الجمهور صوت إطلاق نار حقيقي، أنا لا أثق به، أنا لا أثق به». وأشار آخرون إلى أنه مع إطلاق الطلقات، رفع ترامب يده عاليا. وفسروا الأمر بأنه إشارة لبدء الحدث الذي تم إعداده بطريقة متقنة «نظمت للحصول على التعاطف». وكتب معلق آخر في الولايات المتحدة: «لا يمكنك أن تثق في هؤلاء الأشخاص بأي شيء، لن أصلي من أجله». كما ثارت أسئلة حول كيفية سماح ضباط الشرطة والعملاء المكلفين بتأمين مؤتمر دونالد ترامب للمسلح بالاقتراب منه. إذ تمكن توماس ماثيو كروكس، الشاب العشريني، الذي نفذ الهجوم، والذي قتل لاحقا برصاص قناصة الخدمات السرية، من الوصول إلى سطح مبنى بالقرب من ساحة المؤتمر في أرض معارض مقاطعة بتلر بولاية بنسلفانيا، حيث أطلق النار على ترامب من مسافة 130 مترا فقط. وتساءل العديد من المراقبين عن كيفية انهيار الخطط الأمنية إلى درجة تمكن مسلح بالوصول دون عائق إلى ترامب. وقال أفراد من الجمهور إنهم شاهدوا المشتبه فيه على السطح قبل دقائق من بدء إطلاق النار. بدورها قالت الخدمة السرية الأمريكية إنها كلفت الشرطة المحلية بتأمين ذلك المبنى. وقال أنتوني جوجليلمي، المتحدث باسم الخدمة السرية، إن وكالته اعتمدت على الشرطة المحلية للمساعدة. وقال إن عملاءه كانوا مسؤولين عن تأمين محيط أرض المعارض، بينما قامت الشرطة المحلية بتأمين المنطقة في الخارج، التي تضم المبنى الذي استخدمه المسلح لإطلاق النار، بعد أن وصل إلى سطحه. بينما قال رئيس شرطة مقاطعة بتلر، مايكل سلوب، إن ضابط أمن محلي رصد المسلح أيضا لكنه لم يتمكن من إيقافه. واعترف بتلر بوجود «فشل» في تأمين المبنى، لكنه قال إنه يعتقد أنه لا يوجد طرف واحد يتحمل المسؤولية كاملة.
اللافت في الأمر كان مشاركة سياسيون منتخبون في حملة نظريات المؤامرة. إذ نشر عضو الكونغرس مايك كولينز، وهو جمهوري عن ولاية جورجيا، تغريدة مفادها أن «جو بايدن أرسل أوامر الاغتيال». وأشار إلى تعليق أدلى به الرئيس بايدن في وقت سابق من الأسبوع حول وضع «ترامب في مركز الهدف»، في إشارة إلى معركتهما الانتخابية. وقد حصل منشور كولينز على أكثر من 6 ملايين مشاهدة على منصة X ، لكن المنصة وضعت ملاحظة على المنشور تقول، إنه لا يوجد دليل على تورط بايدن بأي شكل من الأشكال. وأضافت أن تعليقه «المستهدف» تم إخراجه من سياقه. وفي جانب آخر من نظريات المؤامرة حول ما حدث، ذكرت شبكة «CNN» الإخبارية، أن مسؤولين أمريكيين حصلوا في الأسابيع الأخيرة، على معلومات حول مؤامرة دبرتها إيران لمحاولة اغتيال دونالد ترامب. وحسبما نقلته الشبكة يوم 16 تموز/يوليو، فإن هذه المعلومات جعلت جهاز الخدمة السرية الأمريكي يزيد من إجراءاته الأمنية في الأسابيع الأخيرة لحماية ترامب، الرئيس السابق والمرشح الحالي للانتخابات الرئاسية المقبلة. لكن إيران من جانبها وصفت التقرير الصادرعن دورها في اغتيال ترامب بأنه «تقرير متحيز ولا أساس له من الصحة».
قال بول بارتيل، كبير محللي الاستخبارات في شركة (Peak Metrics)، إن المؤامرات التي تزعم أن حكومات أجنبية كانت وراءها، أو أنها مؤامرة دبرها خصوم سياسيون – حتى لو تم التخطيط لها من قبل الجمهوريين أنفسهم – غمرت وسائل التواصل الاجتماعي. وقال إن كل ذلك كان «مجرد تكهنات». وقد ولّدت هذه التكهنات مجموعة كبيرة من النظريات من مختلف الأطياف السياسية، بدءا من الأسئلة حول تصرفات الخدمة السرية، إلى الادعاءات الكاذبة حول هوية مطلق النار. وأظهرت أداة مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي (Talkwalker) أن ما يقرب من مليون منشور، بما تضمن كلمة «منظم» تم نشرها على منصة X خلال الـ24 ساعة التي تلت الهجوم. كما لعبت صورة التقطت في لحظات الذروة دورا في نشر نظريات المؤامرة. إذ التقط كبير المصورين في وكالة أسوشيتد برس في واشنطن، إيفان فوتشي صورة نالت استحسانا واسع النطاق، وقد أظهرت ترامب يرفع قبضته متحديا، والدماء تسيل على وجهه وأذنه، والعلم الأمريكي في الخلفية. وبالنسبة لعدد كبير من المعلقين بدت الصورة مصنوعة ومتقنة للغاية، بحيث لا يمكن اعتبارها صورة التقطت بمحض الصدفة. وقد وصل المنشور على منصة X إلى ما يقرب من مليون مشاهدة، الذي علق على تلك الصورة بالقول: «زاوية كاميرا رائعة، جودة رائعة، لا يوجد عميل خدمة سرية أمام رأسه يغطي الجرح، علم أمريكي موضوع في مكان مناسب». كما انصبت الاتهامات ونظريات المؤامرة على جهاز الخدمة السرية المكلف بحماية دونالد ترامب عبر تساؤلات مثل؛ «كيف سمح عملاء الخدمة السرية لترامب بعد الحادث بدقائق بالتوقف والتقاط صورة إذا كان هناك خطر حقيقي؟». في الوقت نفسه، قال الخبير الاستراتيجي الديمقراطي ديمتري ميلهورن في رسالة بالبريد الإلكتروني إلى مؤيديه جاء فيها، هناك احتمال أن يكون «إطلاق النار» هذا قد تم تشجيعه وربما حتى تنظيمه حتى يتمكن ترامب من الحصول على الصور والاستفادة من رد الفعل العنيف. لكنه تراجع في اليوم التالي، واعتذر قائلا «اعتذر لأنني سمحت لكلماتي بصرف الانتباه عن الحقيقة المركزية الليلة الماضية: لقد أودى العنف السياسي بحياة أمريكي بريء».
اما جمهور ترامب فقد كان له دور مهم في ترويج بعض نظريات المؤامرة، إذ كتب أحد مناصري ترامب: «هذا هو الثمن الذي تدفعه عندما تقضي على نخبة مغتصبي الأطفال الشيطانيين». وكان يلمح إلى نظرية المؤامرة الشهيرة المعروفة لدى جماعة QAnon، التي تشير إلى أن ترامب يشن حربا سرية ضد الدولة العميقة، التي تتمثل في تحالف غامض من السياسيين الديمقراطيين، وقوات الأمن، وخدمات الاستخبارات، وهذا التحالف مخفى عن الأنظار، ويعمل دون كلل على إحباط كل تحركات دونالد ترامب. ومن دون أي دليل يدعم الفكرة، ذهب مناصرو ترامب من مروجي نظريات المؤامرة إلى أن «أمرا بالاغتيال جاء على الأرجح من وكالة المخابرات المركزية»، واتهموا باراك أوباما وهيلاري كلينتون ومايك بنس بالتورط في ذلك. وبالطبع لا يوجد دليل يدعم أيا من ذلك، لكن تمت مشاهدة هذا المنشور 4.7 مليون مرة.
والخلاصة وفقا لجاكوب وير زميل الأبحاث في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي؛ «أن لحظات كهذه هي بمثابة «وقود مدفع» للمتطرفين على الإنترنت. إذ يقفز المتطرفون على مثل هذه الأحداث، ويستخدمونها لتعزيز أيديولوجياتهم الخاصة، لأنهم عادة يتفاعلون بثقة كبيرة مع كل ما يحدث، من دون أي دليل حقيقي. وبالتأكيد سيقع الناس في دوامة من الأوهام، وسيطرحون أيديولوجياتهم واستنتاجاتهم الخاصة، من دون تمحيص كبير في مصادر معلوماتهم. والنتيجة الغرق في دوامات نظريات المؤامرة».
كاتب عراقي
- القدس العربي


























