أكثر العمليات العسكرية التي قامت بها القوات العسكرية التابعة لحلف الناتو في أفغانستان، إثارة للإلتباس هي الغارة الجوية التي نفذتها الطائرات التابعة للحلف في إقليم قندس، على جرّار زراعي كانت اختطفته عناصر تابعة لحركة طالبان في 4 أيلول/ سبتمبر الماضي. فحتى الأسبوع الماضي، ظل السؤال المطروح: هل سقط نتيجة الهجوم قتلى من المدنيين الأفغان، أم أن الهجوم إستهدف فقط عناصر من الطالبان ومسانديهم؟ هذا السؤال شكل منذ البداية المحور الأساسي الذي دار النقاش حوله وحول صلاحية الكولونيل الألماني جورج كلاين، منسق العمليات العسكرية لحلف الناتو في أفغانستان، الذي أصدر الأمر للطائرات الأميركية بتنفيذ الهجوم. الإجابة على ذلك السؤال مهمة، لأنها توضح صواب القرار بالهجوم من عدمه، ناهيك عن توضيح تبعاته القانونية. سؤال لم يكن على الكولونيل كلاين تقديم إجابة عليه أمام مرؤوسيه وحسب، بل كان عليه توضيحه أمام القضاء أيضاً. فعلى عكس كل الدول المشتركة في الحرب على حركة الطالبان، شكلت ألمانيا إستثناءً لافتاً للنظر، لأنها ترى وجود جيشها في أفغانستان له علاقة بالبناء والإعمار، ولا علاقة له بالحرب "فعلياً"، ما يترتب على ذلك الكثير من الترتيبات القانونية، لها علاقة، بالتعويضات التي يمكن دفعها لذوي القتلى من جنودها، ولذوي المتضررين من نشاط وأفعال القوات الألمانية، سهواً أو عمداً. ذلك ما جلب أيضاً الكثير من الغموض لمهمة الجيش الإلماني، فلا أحد يستطيع في ألمانيا تقديم تعريف واضح لهذه المهمة: هل الجيش الألماني في حرب أم لا؟ تقديم إجابة مقنعة ليس سهلاً أمام الرأي العام الألماني الحساس تجاه كل ما له علاقة بالحرب، ليس بسبب ماضي كريه جعل ألمانيا تنتهي إلى الخراب، بل أكثر من ذلك بسبب وجود أغلبية في الرأي العام لا تنظر الى ما يدور في جبال الهينديكوش بعين الرضا. السؤال المطروح في ألمانيا: هو ماذا يفعل الجيش الألماني هناك؟ لماذا مات هذا العدد من الجنود في سبيل حكومة "كارزاي" الفاسدة والمرتشية؟ ربما تهدأ التساؤلات أحياناً، لكنها سرعان ما تعاود الظهور، هذه المرة عادت وبقوة بعد حادثة قصف الجرّار الزراعي، في وادي نهر قندس قريباً من عاصمة الإقليم.
حتى اليوم ليست هناك إحصائية ثابتة ومعروفة لعدد الناس الذين وقعوا ضحايا في تلك الغارة. تقرير لجنة التحقيق الدولية لقوات الناتو في أفغانستان يتحدث عن رقم يتراوح بين 17 إلى 142 ضحية. أما الإدعاء "الألماني"، بأن جميع الضحايا كانوا من عناصر طالبان فقد كان مدعاة للشك دائماً. منذ اليوم الأول من الهجوم تحدثت الأخبار عن وقوع عدد كبير من الضحايا المدنيين، بينهم أطفال. لكن رغم ذلك، أصر الجيش الألماني ممثلاً بوزارة الدفاع ووزير دفاعها السابق فرانتز جوزيف يونغ (من حزب الإتحاد الديموقراطي المسيحي، حزب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل)، على القول "حسب كل التقارير المقدمة"، بأن الذين سقطوا في الهجوم، "لم يكونوا محايدين" رغم انه لا يستبعد سقوط ضحايا مدنيين! أما النقد العنيف الذي جاء من جهة قائد قوات حلف الناتو، الجنرال الأميركي ستانلي مكريستال، الذي كان يدعو (كما دعى باراك أوباما) إلى العمل بحذر لتجنب إمكانية وقوع ضحايا في صفوف المدنيين العزل، فقد قوّى من تصلب الإدعاء الألماني، الذي راح يتحدث عن "طعن بالظهر" من قبل الحلفاء، لأن "الهجوم إستهدف فقط عناصر حركة الطالبان والمتعاونين معهم".
هناك مثل إسباني يقول: "الحقيقة مثل الزيت، لابد أن تظهر على سطح الماء، الآن ومنذ يوم الخميس الماضي أصبح الأمر جلياً، بأن قائد الشرطة العسكرية في وزارة الدفاع الألمانية، الجنرال فولغانغ شنايديرهان، كان قد وصل إلى علمه وبسرعة، بأن الحقيقة كانت على عكس ما جاء في تصريح الكولونيل كلاين. بل حتى وزير الدفاع الألماني السابق السيد يونغ كان عرف حقيقة الأمر مبكراً. في 4 أيلول /سبتمبر، يوم الهجوم، قام جنود الشرطة العسكرية التابعين للجيش الألماني بأعمال التحري في مكان الهجوم. تقاريرهم التي تتحدث عن وقوع ضحايا مدنيين عزل وتفاصيل أخرى لملابسات الهجوم وصلت خلال ساعات قليلة إلى مقر قيادة العلميات العسكرية في وزارة الدفاع الألمانية، في مدينة بوتسدام. التقارير تلك أيدت ما جاء في بعض الصحف ووكالات الإعلام التي تحدثت عن وقوع ضحايا مدنيين، لا علاقة لهم بحركة طالبان.
أحد الأمثلة على ذلك، هو التقرير الإخباري الذي نشرته جريدة التابلويد الألمانية "بِلد تزايتونغ" والذي جاء فيه، بأن القيادة المحلية للجيش الألماني في مزار الشريف كانت قد اخبرت مركز العمليات العسكرية في وزارة الدفاع، في اليوم نفسه، عن وصول ستة جرحى إلى مستشفى قندوس تتراوح أعمارهم بين 14 وعشرين عاماً. إضافة إلى ذلك عُثر على جثتين في المستشفى نفسه لصبيين صغيرين. أحد الاطباء الألمان في المستشفى تحدث عن معالجته بنفسه في المستشفى ذاته لطفلين عمرهما سنتان تقريباً، أحدهما يعاني من "كسر مفتوح"، والثاني من "جروح بالشظايا". وحسب ما نقلت الصحيفة، فإن القيادة العسكرية المحلية الألمانية في مزار الشريف قالت، إن عناصر طالبان الذين اختطفوا الجرار كانوا دخلوا إلى جامع القرية بعد تعطل الجرار في قاع النهر، وأجبروا زوار الجامع على جلب البنزين والعمل على إخراج الجرار من المكان الذي طمس فيه. "14 من هؤلاء أختفى أي أثر لهم"، كما جاء في التقرير الصحافي لبلد تزايتونغ. التقرير ذاك أثبت، بأن الضحايا لم يكونوا بالضرورة من العناصر المساندة لحركة طالبان. لكن وزارة الدفاع الألمانية لم تشأ أخذ كل ذلك بعين الإعتبار، أصرت على روايتها، لتضلل بهذا الشكل ليس الصحافة والرأي العام وحسب، بل لتكذب على البرلمان أيضاً. تلك كانت استراتيجية وزارة الدفاع. أرادت الإدعاء، بأنه حتى لو ثبت لاحقاً وقوع ضحايا، فإن الكولونيل كلاين لا يتحمل مسؤولية ما حدث، لأنه كان مجبراً على التصرف بسرعة، لكي يجنب الخطر المحتمل الذي يمكن أن يسببه تردده على الجنود الالمان في أفغانستان. لكن حسابات الحقل هي غير حسابات البيدر. خصوصاً بعد نشر صحيفة بلد تزايتونغ لشريط فيديو صُور من على متن الطائرات المقاتلة التي نفذت الهجوم. فبعد تقييم ضباط الناتو للقطات الفيلم توصلوا إلى النتيجة التي تقول، بأن من غير الممكن للكولونيل كلاين، (ذلك ما تقوله الصور)، أن يدعي، بأن الناس الذين تجمعوا حول الجرار هم عناصر حركة طالبان فقط! أيضاً إدعاء الكولونيل الألماني، بان مخبراً سرياً، كان إتصل به من المكان، يخبره عن تواجد عناصر طالبان حول الجرار، لم يكن مقنعاً، لأن تحريات لجنة التحقيق تثبت، بأن المكان الذي تواجد فيه المخبر السري في حينه، لم يسمح له بالتأكد من هوية المتجمعين حول الجرار. إذن، وحسب ما وصلت إليه لجنة التحقيق الدولية في قوات الناتو، أن الكولونيل وعن طريق قراره المتهور، غامر بإحتمال وقوع ضحايا مدنيين، ليس ذلك وحسب، بل ألحق أضراراً "بسمعة قوات الناتو" في أفغانستان. وإذا كان من الصعب التكهن بحجم هذه الأضرار بما يخص القوات المنضوية تحت خيمة حلف الناتو الأخرى، فإنه من السهل رؤيتها على القوات الألمانية، وما يحدث الآن في ألمانيا، من إستقالات وتنحيات كسقوط قطع الدومينو.
من كان يشك بالمثل الشائع الذي يقول "حبل الكذب قصير"، عليه أن يتابع الأخبار الألمانية. فبعد أن ظهرت الوقائع على السطح، واحدة بعد الأخرى، وبعد أن ثبت، ان الكولونيل، والمسؤولين في وزارة الدفاع، من مراكز القرار وحتى الوزير، علموا مباشرة وفي اليوم الأول بوقوع ضحايا من المدنيين، وبينهم عدد كبير من الأطفال، وبأن المسؤولين هؤلاء كذبوا وبأعصاب باردة، بدأت ساعة العدّ تدق بالنسبة لأغلبية الجالسين على عرش مركز القرار في وزارة الدفاع. وزير الدفاع الجديد الشاب (37 عاماً) الذي أعلن مباشرة وبعد نشر تقرير لجنة التحقيق، أنه لن يتساهل مع المقصّرين، إذ أمر مباشرة بتسريح الكولونيل جورج كلاين، ثم سكرتير الدولة في وزارة الدفاع بيتر فيشيرت، الرجل القوي في وزارة الدفاع حتى الأسبوع الماضي، وقائد الشرطة العسكرية الجنرال فولغانغ شنايديرهان (نافس سكرتير الدولة في الصلاحيات)، وزير الدفاع هذا عليه توضيح الأسباب الذي جعلته يدافع عن "صلاحية" قرار الهجوم، وحتى أيام قليلة ماضية أمام الصحفيين؟ أما وزير الدفاع السابق فرنتز يوزيف يونغ الذي تقلد منصب وزير العمل والشؤون الإجتماعية في حكومة ميركيل الجديدة، والذي أصرّ على رفض الإستقالة التي طالبته بها المعارضة في أول يوم من نشر الفضيحة، فإنه وجد نفسه مضطراً في اليوم الثاني لتقديم إستقالته (من دون تقديم أي إعتذار لذوي الضحايا)، إذ من الصعب على شخص بمنصب وزير إقناع الرأي العام أن سكرتير الدولة وقائد الشرطة العسكرية لم يعلماه بحقيقة ما حدث، وحتى إذا صحّ ذلك، فهذا يعني، أنه لا يملك زمام الأمور في وزارته. المشكلة الآن، بعد إصرار المعارضة على تشكيل لجنة تحقيق برلمانية، هي إذا كانت الإستقالات تلك ستكون الأخيرة، وأن حكومة ميركيل ستستطيع تفادي اضراراً أخرى، خصوصاً، إذا تعلق الأمر بمسؤولية وزير دفاعها الجديد و"جوكرها" الذي تراهن على موهبته في دفع عجلة الحكومة إلى الأمام، الشاب الديناميكي غوتينبيرغ، الذي يدعي أنه لم يتسلم في التقارير التي تسلمها من سلفه ما يشير إلى هذه المعلومات. السؤال الذي يطرح نفسه: إذا كان الأمر بهذا الشكل، فلماذا دافع عن "صلاحية" قرار الهجوم؟ والأكثر من ذلك، هو أن بعض الأصوات بدأت ترتفع، متسائلة، ماذا عنها هي، المستشارة أنجيلينا ميركيل؟ ماذا سيحدث لو ظهر، انها هي الأخرى عرفت بالأمر؟ بالتأكيد أن الأيام المقبلة ستساعد على جلاء الكثير من الأمور، لكن ما هو مؤكد أيضاً، هو أن هناك تململاً في صفوف الجنود والضباط الألمان، الذي يطالبون بتعريف مقنع لمهمتهم في أفغانستان، أما ذووهم، فقد فقدوا الثقة في الحكومة والبرلمان، خصوصاً ذوي أولئك الذين سقطوا على جبهات القتال في أفغانستان، فما الذي يقول، إن وزارة الدفاع قالت لهم الحقيقة وما الذي يمنعها من الكذب أيضاً في الأسباب التي قادت إلى موت أبنائهم؟
ألمانيا في حالة حرب أم لا؟ وزير كذب أم لا؟ تلك هي قضية ستظل تشغل ألمانيا على المدى البعيد، لكن السؤال الذي يطرح نفسه علينا، كم هو عدد الحروب التي درات رحاها عندنا، خربت مدننا وحصدت الأخضر واليابس فيها، كم هو عدد أولئك الذين ذهبوا ضحية لها، من نساء وشيوخ، جنود ومدنيين، أطفال ونباتات وحيوانات.. كم حرب وقعت، وكم حرب أخرى ستقع، وأولئك المسؤولون عنها من اصحاب القرار لا يزالون على قيد الحياة، يعيشون مرفهين، معززين مكرمين، بل ما زالوا هم أنفسهم الذين يتحكمون في مصير الناس والبلدان… فمتى ترتفع الأصوات عندنا تطالب بمحاسبة مثل هؤلاء؟ كذابوهم يستقيلون.. فماذا عن كذابينا؟
" المستقبل "




















