هل أخفق باراك أوباما في ديبلوماسيته للسلام في الشرق الأوسط؟ يبدو أن هذا هو حُكم المعلّقين الدوليين و – في شكل أخص – القادة الفلسطينيين التوّاقين للحصول على دولتهم الخاصة، والحكومة الإسرائيلية المبتهجة لأنها استطاعت أن تجعل الرئيس الأميركي يترنّح أولاً.
لكن يستحق الأمر عناء الخروج لدقيقة من الأجواء المحمومة من أجل التدقيق في ما إذا كان الأمر بهذه البساطة: هل سيرضى أوباما عن رؤية استراتيجيته الطموحة للمصالحة مع العالمَين العربي والإسلامي تقع أسيرة العرقلة المسترسلة من جانب حكومة بنيامين نتنياهو؟
في خطابه في جامعة القاهرة الذي هٌلِّل له كثيراً في حزيران، أطلق الرئيس أوباما نقاشاً جديداً في الشرق الأوسط وعنه. فأوباما الذي أعلن على الملأ ما كان قاله سراً في واشنطن لنتنياهو الذي يرفض ائتلافه اليميني وقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية أو الدفع نحو تطبيق حل الدولتين، قال جملة خضعت لتحليل مكثّف لتفكيك تركيبتها النحَوية "لا تقبل الولايات المتحدة شرعية المستوطنات الإسرائيلية المستمرة". وعندما قال لإسرائيل "كي تكون صديقاً جيداً، يجب أن تكون صادقاً"، تكوّن لدى النخب السياسية في البلاد انطباع بأن عقوداً من الكلام الغامض عن النزاع مع الفلسطينيين قد ولّت. وعندما أضاف "تماماً كما لا يمكن إنكار حق إسرائيل بالوجود، لا يمكن إنكار حق فلسطين بالوجود أيضاً"، تبدّدت كل الشكوك المتبقّية بالتأكيد. أليس كذلك؟
لا شك في أن مقارنته الضمنية بين الوضع "غير المقبول" للفلسطينيين في ظل "الاحتلال" الإسرائيلي ونضالات العبيد الأفارقة في أميركا والسود في جنوب أفريقيا في ظل الأبارتايد، وجّهت إشارة إلى اليمين التحريري الوحدوي في إسرائيل وحلفائه في واشنطن بأنهم يتعاملون مع شخص جدّي. فنادراً ما سمعنا لغة مماثلة من قائد أميركي. لكن في اختبار الإرادات اللاحق حول المطالب الأميركية بتجميد كامل لبناء المستوطنات، يبدو وكأن أوباما تراجع.
يبدو للوهلة الأولى أنه أخفق في محاولته إطلاق محادثات السلام من جديد. يواصل نتنياهو بتبجّح توسيع المستوطنات، ومع ذلك، تحيّي وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون خطواته الشكلية القليلة واصفة إياها بـ"غير المسبوقة". وقد تعرّض الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، الذي ربط استئناف المحادثات بتجميد الاستيطان، لإذلال علني.
فعباس، وهو إلى حد كبير الطرف الأضعف في النزاع، سمح لإدارة أوباما بأن ترغمه على مصافحة نتنياهو علناً، وأذعن للضغوط من أجل إرجاء مناقشة تقرير الأمم المتحدة الذي وضعه القاضي ريتشارد غولدستون – والذي وصفه نتنياهو بـ"المنحرف أخلاقياً" – حول العدوان الإسرائيلي على غزة الشتاء الماضي. يقول عباس الذي لم تنجح محاولته القائمة على المبادئ من أجل التوصّل إلى نهاية من طريق التفاوض لاحتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية العربية، إنه سينسحب من السياسة. إذا فعل، فسوف يخلفه قادة أكثر راديكالية وتعنّتاً.
وفشلت واشنطن أيضاً في دفع حلفائها العرب إلى تقديم تنازلات إلى إسرائيل من أجل بناء الثقة. كان هذا محتوماً عملياً في غياب أي بادرة نوعية من جانب إسرائيل التي رفضت بازدراء عرض السلام الشامل الذي قدّمته الجامعة العربية لأول مرة عام 2002.
يعتقد العرب أنه بين عامَي 1992 و1996، في أوج عملية السلام، حصلت إسرائيل على غنيمة سلام من دون إنهاء الاحتلال. فقد تضاعف الاعتراف الديبلوماسي بإسرائيل، من 85 إلى 161 بلداً، مما أدّى إلى تضاعف الصادرات وزيادة الاستثمارات الخارجية ستة أضعاف، في حين تراجع الدخل الفردي في الأراضي المحتلة بنسبة 37 في المئة، وزاد عدد المستوطنين 50 في المئة.
يبلغ عدد المستوطنين الآن نحو نصف مليون إسرائيلي، بما في ذلك المستوطنون في القدس الشرقية. تمنع الطرقات "الجانبية" المعزولة ونحو 600 حاجز تفتيش عسكري في منطقة بحجم لينكولنشير أو ديلاوير، وجدار "الفصل" الذي يتوغّل في الضفة الغربية، أي إمكان عملي لقيام دولة فلسطينية ذاتية الحكم.
ربما يعني هذا الأرخبيل من البانتوستانات أن حلم تقسيم الأراضي المقدّسة دولتين قد تبدّد. لكن ليس هناك خيار آخر قابل للحياة – للإسرائيليين أو الفلسطينيين. البديل هو السير في النوم نحو كيان ثنائي القومية من شأنه أن يقوّض أسس دولة يهودية ديموقراطية، مع اتّخاذ المسعى الفلسطيني للحصول على حقوق متساوية شكل النضال ضد الأبارتايد في جنوب أفريقيا. هل سيسمح أوباما ببساطة بحدوث هذا؟
من الواضح أنه يعتبر أن التوصل إلى تسوية عادلة للنزاع الفلسطيني يصبّ في المصلحة الأمنية لإسرائيل في المدى الطويل، وكذلك في المصلحة القومية للولايات المتحدة. ويدرك أيضاً كيف أصبحت مشكلات المنطقة مترابطة – لا سيما منذ عزّز اجتياح العراق التأثير الإيراني ولطّخ السمعة الأميركية أكثر فأكثر – وكيف أنه من شأن اتفاق إسرائيلي – فلسطيني أن يبدأ بتغيير هذا الواقع. لكن بصفته رئيساً للولايات المتحدة، يحمل بعض الأوراق في يده.
إسرائيل معروفة بالانقلاب على زعمائها الذين يعرّضون التحالف الحيوي مع الولايات المتحدة للخطر: لقد تعلّم مناحيم بيغن هذا وكذلك إسحق شامير، كما تعلّمه نتنياهو إلى درجة محدودة عندما صوّت الناخبون ضده وأبعدوه من رئاسة الوزراء عام 1999.
ويؤدّي الدعم الأميركي في مجلس الأمن الدولي دوراً حيوياً في ذلك التحالف، فقد استخدمت الولايات المتحدة حق الفيتو 29 مرة لحماية إسرائيل من الإدانة بسبب ممارساتها في الأراضي المحتلة. تخيّلوا الإشارة التي من شأن الولايات المتحدة أن ترسلها في حال امتناعها عن استعمال الفيتو. أو أفضل من ذلك، في حال رفعت الولايات المتحدة وحلفاؤها مسودة عن حل الدولتين – ولطالما كانت خطوطه العريضة واضحة – إلى مجلس الأمن وصوّتوا لإقرارها. لم تنتهِ هذه اللعبة بعد.
"فايننشال تايمز"
ترجمة نسرين ناضر
ديفيد غاردنر – لندن
(مساعد رئيس تحرير "فايننشال تايمز")




















