سميح صعب
بعد عام كامل على إطلاق عملية انابوليس، كان الرئيس الاميركي جورج بوش يستقبل رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت في البيت الابيض. واللافت ان عملية السلام او المفاوضات بين السلطة الفلسطينية واسرائيل، لم يكن الموضوع الوحيد في اللقاء الوداعي بين "الصديقين" وفق تعبير البيت الابيض. بل ان اولمرت تعمّد القول عن قصد، او بزلة لسان، انه جاء ليشكر الرئيس الاميركي على تخليصه اسرائيل من الخطر الاستراتيجي الذي كان يشكله العراق على الدولة العبرية.
وبذلك أعطى اولمرت صدقية لكثير من التحليلات التي ذهبت في شرح أسباب الحرب الاميركية على العراق الى ما هو معلن منها مثل أسلحة الدمار الشامل او احتمال وجود علاقة بين منفذي هجمات 11 ايلول 2001 ونظام صدام حسين، او الرغبة الاميركية في نشر الديموقراطية في الشرق الاوسط الموسع إنطلاقاً من العراق.
ولقد كشف اولمرت سبباً آخر للحرب الاميركية في العراق هو حماية اسرائيل "من الخطر العراقي". أي ان المبالغة في الكلام على اسلحة الدمار الشامل لم تكن سوى أداة تستخدمها ادارة بوش من أجل تبرير حرب هدفها الاساسي حماية اسرائيل.
بعد هذا ليس غريباً ان يكتشف الفلسطينيون، وكل العرب، ان كلام بوش عن "حل الدولتين"، من انه لم يحصل تقدم فعلي في اتجاه هذا الحل، ليس سوى كلام غير قابل للتطبيق. وليس الهدف منه سوى اتاحة المجال امام اسرائيل كي تمضي في فرض الامر الواقع في الاراضي الفلسطينية المحتلة بينما يبقى الفلسطينيون معللين بآمال قيام دولة مستقلة تفقد يومياً، مع تزايد الاستيطان، أبسط أسس قيامها.
بعد عام من انابوليس، وقيام بوش بزيارتين الى الاراضي الفلسطينية واسرائيل، وقيام كوندوليزا رايس بأكثر من تسع زيارات، وعقد لقاءات قمة متعددة بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس واولمرت، وعشرات اللقاءات بين وفدي التفاوض الفلسطيني والاسرائيلي، لم يتم التوصل الى أي تقدم في اتجاه "حل الدولتين" الذي كان غاية مؤتمر انابوليس.
وكيف يمكن تفسير ان كل الجهود التي بذلت بعد انابوليس لم تقنع اسرائيل بوقف البناء، وان في مستوطنة واحدة، أو بإزالة حاجز واحد للجيش الاسرائيلي، او بتسليم الامن للشرطة الفلسطينية في مدن الضفة الغربية؟
واذا كانت اسرائيل اطلقت بضع مئات من الاسرى الفلسطينيين، فإن جلً هؤلاء من الذين شارفت مدة احكامهم الانتهاء.
أكثر من ذلك، حتى الآن ترفض ادارة بوش الكشف عن تقرير الجنرال الاميركي جيمس جونز الذي كلفته وضع متابعة تنفيذ "خريطة الطريق". ولو كان التقرير في مصلحة اسرائيل لما تورع بوش عن نشره. ولكن بما ان التقرير يحتوي على نقد لاسرائيل ولا سيما في المجال الاستيطاني، فإن الرئيس الاميركي يفضّل ابقاء التقرير سرياً من دون ان يستطيع الاسرائيليون إخفاء استيائهم مما يتردد عن نية الرئيس الاميركي المنتخب باراك اوباما تعيين جونز مستشاراً للأمن القومي.
وحتى قبل انابوليس، تمكنت اسرائيل من التملص من التزامات كثيرة منذ اوسلو. والامر ليس كما صوّرته رايس من انه لولا الوضع السياسي داخل اسرائيل والدعوة الى انتخابات مبكرة، لكانت عملية انابوليس قد نجحت. التجربة مع اسرائيل لا تحمل على التفاؤل. والانتخابات المقبلة لن تفرز من هو قادر على الوفاء بتعهد او التزام. وكل المرشحين لخلافة اولمرت ليسوا أقل منه تطرفاً.
والسؤال: لماذا تسعى اسرائيل الى السلام ما دامت تجد في الولايات المتحدة الحامي الدائم لها من الاخطار، وتدمير اميركا للعراق هو أحد الامثلة؟.
"النهار"



















