– عكا
لا معنى لقراءة "المبادرة" السياسية السويدية الأخيرة، الداعية إلى اعتراف الاتحاد الأوروبي بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية العتيدة، بمنأى عن سياق تدهور مكانة إسرائيل وسمعتها السياسية في العالم عامة وفي أوروبا خاصة.
بداية لا بُدّ من الإشارة إلى حقيقة أنه في إسرائيل يُنظر إلى السويد على وجه التحديد، ومنذ فترة ليست وجيزة، باعتبارها أكثر دولة أوروبية تتحكم بها "المقاربات اللاسامية"، كما عبّر عن ذلك مثلاً أستاذ التاريخ في جامعة بار إيلان، مردخاي كيدار، الذي دعا حكومة بلده، في موازاة ذلك، إلى الإعلان عن ستوكهولم "عاصمة للدولة الإسلامية الآخذة في التشكل في أوروبا"! كما أن هذه "المبادرة" أعادت إلى الأذهـان الأزمة الديبلوماسية التي اشتعلت بين الدولتين، إثر نشر تحقيق صحافي في أوسع الجرائد السويدية انتشارًا (أفتونبلاديت) اتهم إسرائيل باستئصال أعضاء بشرية من أسرى فلسطينيين بعد اغتيالهم والمتاجرة بها.
غير أن بعض التحليلات الإسرائيلية وسّع دائرة البيكـار، ورأى أن التحرّك السويدي يتعدى مستوى العلاقات الثنائية ويشي بالحضيض، الذي تدهورت مكانة إسرائيل إليه في أوروبا في الآونة الأخيرة. وهو ما نوّهت به أيضًا مجموعة من التقارير الإستراتيجية الإسرائيلية الجديدة.
وبالإمكان أن نشير، من بين هذه التقارير، إلى الملخص التنفيذي لـ "مؤتمر هرتسيليا التاسع" حول "ميزان المناعة والأمن القومي" في إسرائيل الصادر أخيرًا، في ما يتعلق بالتحديات الإستراتيجية الماثلة أمام إسرائيل في العامين الحالي والمقبل. ووفقًا له فإن أحد هذه التحديات يتمثل في مواجهة واقع تآكل مكانة إسرائيل السياسية في أوروبا، والذي ينعكس في الميل المتزايد لدى الأخيرة نحو رهن تطوير العلاقات بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي بتقدّم العملية السياسية مع الفلسطينيين. وعلى هذه الأرضية فإنه يؤكد أن الوعود السابقة (منذ نهاية 2008) برفع مستوى العلاقات مع الاتحاد الأوروبي لن تتحقق، على ما يبدو، في المستقبل القريب.
وقبل هذا التقرير صدر عن "معهد دراسات الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، تقويم شامل لآخر مستجدات علاقات إسرائيل والاتحاد الأوروبي أعدّه رئيس المعهد والديبلوماسي الإسرائيلي السابق، الدكتور عوديد عيران، وخلص فيه إلى الاستنتاج التالي: إن أي توقع أو أمل بأن تسود علاقات إسرائيل مع الاتحاد الأوروبي أجواء في مستوى الأجواء الحميمة السائدة في علاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة، سيكون ضربا من السذاجة. مع ذلك، فإنه يمكن تفادي النكوص في العلاقات (مع أوروبا)، والذي يحدث كلما اندلعت حرب أو مواجهة في الشرق الأوسط. ونظرا الى أهمية المنطقة لأوروبا وأهمية أوروبا لإسرائيل، فإن المسؤولية إزاء هذا الوضع تقع على عاتق كلا الجانبين. وبحسب رأيه فإن أحد الفوارق المركزية في نمط علاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة من جهة، ومع الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، يكمن في أن العلاقات مع الولايات المتحدة غير مرهونة بحالة التقدم في عملية السلام في الشرق الأوسط. لكنه استدرك قائلاً إن هذا الفارق لا يشير في حد ذاته إلى غياب النقد من جانب الولايات المتحدة، أو إلى عدم ارتياح إسرائيل إزاء سياسات أو أعمال ومواقف معينة للولايات المتحدة.
في واقع الأمر فإن التآكل الحالي لمكانة إسرائيل السياسية في أوروبا قد بدأ مباشرة عقب انتهاء الحرب الإسرائيلية على غزة (حملة "الرصاص المسبوك" طبقا لتسميتها الإسرائيلية). وكانت ردة الفعل الأوروبية قد اقتصرت، في البداية، على الحملة ذاتها، لكنها سرعان ما تأثرت تدريجاً بتطورين مركزيين: الأول، وهو مرتبط بالحملة، تمثل في ازدياد الشكوك والانتقادات في إسرائيل ذاتها، فيما تمثل التطور الثاني في معركة الانتخابات الإسرائيلية العامة (في شهر شباط الفائت) وما تمخض عنها من نتائج وقيام حكومة يمينية جديدة (برئاسة بنيامين نتنياهو).
فقد نشرت تقارير عن استخدام الجيش الإسرائيلي (في أثناء هجومه على غزة) أسلحة وقنابل هي موضع خلاف وجدل، وعن استخدام مفرط للقوة العسكرية، وتنكيل جنود إسرائيليين بمدنيين فلسطينيين أبرياء، بالإضافة إلى انتقادات متزايدة للحملة، داخل إسرائيل ذاتها. من جهة أخرى ومع اشتداد سخونة حملة الانتخابات في إسرائيل عبّر قادة سياسيون إسرائيليون (شكلوا في نهاية المطاف الحكومة الجديدة في نهاية آذار 2009) عن مواقف رافضة لرؤية حل الدولتين للنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني.
وقد ساهمت حقيقة تأكد صدقية بعض الاتهامات، المتعلقة بسلوك الجيش الإسرائيلي واستخدامه أنواعًا مختلفة من الأسلحة والذخائر، ولا سيما في إثر تقرير "لجنة غولدستون" الأممية، بالإضافة إلى عدم استعداد إسرائيل التحقيق في تلك الاتهامات، في زيادة وتصعيد لهجة الانتقادات الأوروبية، كما سُمح في بعض الدول، خاصة في بريطانيا، بتقديم لوائح اتهام ضد عسكريين وسياسيين إسرائيليين، وما زال عدد من كبار الضباط في الجيش الإسرائيلي يتحاشى زيارة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي خشية تقديمه إلى المحاكمة.
وفي أول اجتماع عقده مجلس وزراء الاتحاد الأوروبي للشؤون الاقتصادية والعلاقات الخارجية بعد الحرب في غزة، في 26 كانون الثاني 2009، اتخذ قراراً جاء فيه أن "الاتحاد الأوروبي سيقوم بفحص انتهاكات (إسرائيلية) للقانون الإنساني الدولي". وهذا الموقف يعكس على الأرجح عزم عدد من الدول الأعضاء في الاتحاد على عدم معارضة إجراء محاكمات لضباط وجنود إسرائيليين بتهمة ارتكاب انتهاكات في أثناء الحرب.
غير أن الرسالة القوية لإسرائيل، والتي تعتبر مهمة حقا بالنسبة للاتحاد الأوروبي، هي فكرة حل الدولتين التي أكد عليها رئيس وزراء إسبانيا منذ انتهاء الحملة العسكرية على غزة (في 18 كانون الثاني 2009) أثناء زيارته الأولى لاسرائيل برفقة نظرائه الأوروبيين، حيث صرح قائلا إن "إسبانيا والاتحاد الأوروبي يساندان عملية سلام عادلة تضمن أمن دولة إسرائيل وتتيح قيام دولة فلسطينية".
كذلك أصدر وزراء خارجية دول الاتحاد، في ختام اجتماعهم الذي عقد في الفترة نفسها، بيانا جاء فيه أن "الاتحاد الأوروبي مقتنع أن نهاية الأزمة الحالية يجب أن تواكبها جهود حثيثة من طرف الجانبين، الإسرائيلي والفلسطيني، ومن طرف المجتمع الدولي، من أجل إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ديموقراطية وقابلة للحياة، في الضفة الغربية وقطاع غزة". غير أن نتائج الانتخابات العامة في إسرائيل وإعلان تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة في 31 آذار 2009، لم يشكلا في نظر الاتحاد الأوروبي خطوات نحو تطبيق حل الدولتين، كما أن المواقف التي اتخذها رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، حتى الآن، لم تقنع الاتحاد بأن إسرائيل جادة فعلاً في دفع الحل المذكور قدمًا.
وفي شهر أيار 2009 كتب يوءاف بيران، وهو ديبلوماسي إسرائيلي سابق شغل منصبي المدير العام لوزارة الخارجية والسفير الإسرائيلي في بريطانيا، مقالة حول حصيلة خمسين عامًا من العلاقات والتعاون بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي (بدأت منذ عام 1959)، نوّه خلالها بأنه يوجد الآن داخل الاتحاد الأوروبي توجهان أساسيان في ما يتعلق بماهية وطابع العلاقات مع إسرائيل: التوجه الأول يعبر عن وجهة نظر أقلية ضئيلة ترى في إسرائيل شريكا فريداً من نوعه يستحق معاملة خاصة، وذلك في ضوء مستوى التطور والإنجازات والطابع الديموقراطي لإسرائيل، فضلا عن وجود التزام أوروبي إزاء تاريخ محرقة اليهود التي ارتكبها النازيون في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية.
وهناك من يتحدث اليوم في أوروبا عن حق إسرائيل في التمتع بـ"مكانة مفضلة" تكفل لها التمتع بكل حقوق (وواجبات) أي دولة عضو في الاتحاد، ما عدا العضوية الرسمية، نظراً الى أنها ليست بلدا أوروبيا (على غرار المكانة المقترح منحها لتركيا). والتوجه الآخر، وهو التوجه السائد فعليا، لا يبتعد كثيرا عن الأول، إذ أنه يقر بالميزات الخاصة لإسرائيل، لكنه يؤكد أيضا على تحفظ أوروبا إزاء سياسة إسرائيل في ما يتعلق بحل النزاع الإسرائيلي – العربي، وخاصة القضية الفلسطينية، ويخشى أصحاب هذا التوجه ذاته من مسّ المصالح الأوروبية في العالمين العربي والإسلامي إذا ما منحت إسرائيل مكانة ومعاملة مفضلتين.
بطبيعة الحال فإن ما تؤكده هذه الاجتهادات غير غائب عن أنظار قباطنة السياسة الإسرائيلية، ويمكن ملاحظة أن الخطوات الحكومية الإسرائيلية الأخيرة (القرار القاضي بتجميد أعمال البناء في مستوطنات الضفة الغربية، مثلاً) تهدف إلى مجاراة الواقع السياسي المستجد في أوروبا، والذي يتماشى بشكل ما مع توجهات قائمة لدى الإدارة الأميركية الحالية.
في ضوء ذلك فإن قراءة المعلقين السياسيين الإسرائيليين، في معظمهم، لهذا الواقع تراوح بين رؤيتين:
الأولى ترى أنه واقع صعب للغاية، ويثبت أن "العالم بأسره يقف ضدنا"، وأنه أصبح من الصعب على إسرائيل، في أول عقد من القرن الحادي والعشرين، أن تحافظ على بقائها من دون الشرعية الدولية. في الوقت نفسه فإن قوة الإسلام في العالم آخذة في التعزّز، ويجب عدم نسيان أن إسرائيل تعيش في جزيرة صغيرة واقعة وسط بحر مؤلف من ثلاثمئة مليون مسلم هم على اتصال مع مليار مسلم في العالم الواسع. كما أن وجودها كان مستمدًا، أعوامًا طويلة، بفضل دعم الولايات المتحدة، لكن على ما يبدو فإن هذه قد ضاقت ذرعًا بها، في الآونة الأخيرة، في وقت تتقدّم فيه إيران سريعًا في طريق تحولها دولة نووية. ويؤكد أحد أصحاب هذه الرؤية، وهو إيتان هابر، المدير العام لديوان رئيس الحكومة الأسبق اسحق رابين، أنه "مع كل التقدير لقوتنا العسكرية ويدنا الطولى، فإنه لا يمكننا المجازفة لوحدنا في مجال كبح إيران". والخلاصة من ذلك كله هي أن نتنياهو بات الآن في وضع لا يُحسد عليه.
أمّا الرؤية الثانية فإن أصحابها يعتقدون أن الخطوات الإسرائيلية الجديدة، وآخرها قرار تجميد البناء في المستوطنات، هي عبارة عن بوادر بداية تسليم الحكومة الإسرائيلية بواقع سياسي دولي آخذ في الرسوخ، ويجعل الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، مستحيلاً. وفي ظل هذا الواقع الجديد فإن الخلاف حول المستوطنات وتوسيعها لم يعد شأنًا خاصًا بين إسرائيل والفلسطينيين فحسب، وإنما أصبح أيضًا حجة لاندلاع مواجهة بين إسرائيل والعالم أجمع، بحسب ما يقول دوف فايسغلاس، المدير العام لديوان رئيس الحكومة الأسبق أرييل شارون. كما أن استمرار أعمال البناء في أراضي الضفة الغربية كافة من شأنه أن يضعف العلاقات الخاصة مع الولايات المتحدة، والتي تعتبر رصيدًا سياسيًا رئيسيًا بالنسبة لإسرائيل.
وخلاصة ما يقوله هؤلاء، فإن ما سبق أن أدركه رئيسا الحكومة السابقان أرييل شارون وإيهود أولمرت – وهو أنه لا يوجد شخص في العالم يوافق على بقاء إسرائيل في معظم أراضي الضفة الغربية وعلى استمرار أعمال البناء هناك- أصبح واضحًا للحكومة الإسرائيلية الحالية أيضًا. وفي حال إصرار إسرائيل على التمسك بهذا البقاء وبأعمال البناء، فستجلب على نفسها عزلة سياسية. ولذا فإن قرار تجميد البناء في المستوطنات هو محاولة لدرء احتمال عزلة كهذه، ومع أنه لا يعتبر قرارًا مهمًا، إلا أنه ينطوي على دلالة كبيرة، باعتباره إشارة أولى إلى إدراك الحكومة التطورات المستجدة في العالم.
(باحث في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – "مدار")




















