تركيا وارمينيا على ابواب مرحلة جديدة من تاريخ العلاقات بينهما، ففي العاشر من شهر تشرين الاول 2009 وقع ممثلا البلدين في زيورخ، برعاية وحضور دولي لافت، على وثيقتين لتطبيع العلاقات بينهما. وكما بات معروفا فهي تتضمن بروتوكولا لتطوير العلاقات المتبادلة، وآخر لاقامة العلاقات الديبلوماسية. فهل يعني ذلك طي صفحة العداء التاريخي التي دامت زهاء قرن من الزمن؟ تخللها اغلاق للحدود، وقطع للعلاقات الديبلوماسية، وجدال تاريخي على خلفية المجازر التي تعرض لها الشعب الارمني عام 1915، وساهمت في نشوب واطالة امد النزاع الدائر حول ناغورني كاراباخ.
ان ما تم الاتفاق عليه بين البلدين المجاورين ليس مجرد خطوة متقدمة على طريق المصالحة بينهما، وبخلاف اعلان النوايا، او خارطة الطريق، فهو يرتب على الطرفين التزامات سياسية وقانونية واجبة التنفيذ خلال فترة زمنية محددة، بعد ان يتم التصديق على تلك البروتوكولات من قبل السلطات التشريعية في كلا البلدين، وفقا للاصول الدستورية المتبعة. فالبروتوكول الاول الخاص بتطوير العلاقات المتبادلة بين البلدين ينص على فتح الحدود المشتركة في غضون شهرين من تاريخ وضع الاتفاق موضع التنفيذ. اما بروتوكول اقامة العلاقات الديبلوماسية فينص على اقامتها وفقا لاتفاقية فينا الدولية للعام 1961، اعتبارا من اليوم الاول للشهر الذي يلي تبادل وثائق التصديق. وهنا يشار الى ان تصديق الاتفاقيات من قبل برلمانات البلدين لن يشكل عقبة، خاصة في ارمينيا، كاحدى دول الاتحاد السوفياتي السابق، التي لا يعدو البرلمان فيها اكثر من مؤسسة لتشريع اعمال السلطة التنفيذية.
وبالرغم من ان تاريخ العلاقات الدولية، لا سيما الحديث منه، حافل باتفاقيات اقامة علاقات ديبلوماسية مشابهة بين اعداء تاريخيين، نذكر منها مثلا، العلاقات بين كل من تركيا واليونان، تركيا وبلغاريا، بولندا واوكرانيا، روسيا والمانيا، فرنسا والمانيا واسرائيل والمانيا. فان الاتفاقية الحالية تشكل سابقة في تاريخ العلاقات الدولية حيث الاتفاق على اقامة العلاقات الديبلوماسية يتطلب تصديقا من قبل البرلمان قبل وضعه موضع التنفيذ.
يجمع المراقبون على ان تطبيع العلاقات بين تركيا وارمينيا سيؤدي الى تغيير جذري في المناخ الامني لمنطقة القوقاز من البحر الاسود الى بحر قزوين. الامر الذي حظي بتأييد الاطراف الاقليمية والدولية ومن ضمنها روسيا، التي شاركت الى جانب الولايات المتحدة، ودول الاتحاد الاوروبي في الضغط على الطرفين ودفعهما الى المضي قدما نحو الاتفاق، نظرا لتقاطع مصالحها الجيوسياسية في المنطقة، بالاضافة الى رغبة الطرفين في وضع حد لنزاع تاريخي استنزف الكثير من إمكانياتهما في الماضي، بخاصة ارمينيا، ويحول في الوقت الراهن دون تحقيق فرص قد تكون تاريخية.
فارمينيا مثلا تنتظر من الصلح مع تركيا تحقيق جملة اهداف مهمة تتمثل بفتح الحدود المشتركة بينهما، ما يفتح امامها الطريق الى اوروبا اقتصاديا، ويخرجها من عزلتها، ومن ارتهانها للحدود الضيقة مع كل من ايران وجورجيا، والمهددة دائما بسبب عدم الاستقرار في تلك الدول، بالاضافة الى سعيها للعب دور فعال في مجال نقل الطاقة عبر القوقاز، واخذ مكان جورجيا، مع بعض التعديلات التقنية، على خط نقل الغاز نابوكو نظرا لموقعها الجغرافي الواصل بين تركيا واذربيجان. اما سياسيا فان الصلح مع تركيا يخفف من حدة التوجه الروسي، ويتيح لها اقامة علاقات متوازنة سياسيا مع الغرب.
في المقابل، فان تطبيع العلاقات مع ارمينيا يعزز المكانة الجيوسياسية لتركيا، ويعكس نجاحها في اعتماد سياسة القوة الناعمة لحل النزاعات بالمقارنة مع السلوك الحربي الروسي في القوقاز، الامر الذي يؤثر ايجابا في دورها كدولة عظمى اقليميا، وكمحور جذب، ومصدر للاستقرار والامن في منطقة ذات اهمية استراتيجية بالنسبة الى اوروبا. ويعزز بالتالي رصيدها في حسابات عملية الانضمام الى الاتحاد الاوروبي. واخيرا فان فريقا من المراقبين يدرج الخطوة التركية في اطار مشروع استراتيجي شامل للمنطقة، يهدف الى تقليص النفوذ الروسي في القوقاز، وذلك من خلال اقامة كونفدرالية تضم دول القوقاز الجنوبي (اذربيجان- ارمينيا- جورجيا) تحت وصاية ورعاية الاخ الاكبر.
بالإضافة الى ذلك، ان الاتفاق التركي الارمني يضم طرفا ثالثا خفيا، الا وهو أذربيجان، وقضية ناغورني كاراباخ بالتحديد. فبالرغم من ان البروتوكولات الموقعة لا تربط بين تطبيع العلاقات والنزاع بشأن الإقليم الانفصالي، الا انه ليس سرا ان أنقرة تراهن على تحقيق تقدم ملحوظ باتجاه تسويته، وبخاصة لجهة انسحاب ارمينيا من المناطق السبع المحيطة بالإقليم والمعروفة باسم حزام الأمان لناغورني كارباخ، قبل تقديم البروتوكولات للتصديق في مجلس النواب التركي. وهذا ما اشار اليه اردوغان في معرض رده على نفي القيادة الارمنية لوجود أي رابط بين الاتفاقية وأذربيجان والنزاع معها.
بهذا الصدد يجدر التوقف عند وجهة النظر التي تقول بان الحكومة التركية من خلال سعيها لتحسين علاقتها بجيرانها لتعزيز مكانتها وتأثيرها في القوقاز، تضع نفسها رهينة لإرادة دول خارجة عن سيطرتها. ففي حال توصل كل من اذربيجان وارمينيا، في الوقت القريب الى تسوية بشأن ناغورني كارباخ، يمكن الحديث عن تطور الأمور ايجابيا، وتصبح بنود خارطة الطريق التي وضعها الاتراك والارمن قابلة للتنفيذ. في حين ان عدم الاتفاق بين ارمينيا واذربيجان، وهو امر محتمل، يضع انقرة بين خيارين، اما التراجع عن التطبيع مع ارمينيا، او تتدهور علاقتها باذربيجان، الأمر الذي يوثر سلبا في مكانة تركيا ودورها في المنطقة.
" المستقبل"




















