بيروت – «الحياة»
منح البرلمان اللبناني ثقته الساحقة وغير المسبوقة الى حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري في ختام جلسة مناقشة بيانها الوزاري نحو منتصف ليل أمس، بعد 3 أيام من المداخلات، من قبل 66 نائباً ناقشوا بنوده وتناول بعضهم الخلاف الداخلي القائم حول سلاح المقاومة، والذي كان تحفظ عن البند السادس الذي تناوله خمسة وزراء في الحكومة من مسيحيي 14 آذار.
وحصلت الحكومة بنتيجة التصويت بعد رد الحريري على مداخلات النواب، على ثقة 122 نائب من أصل 128، فيما صوت النائب نقولا فتوش ضد الثقة بالحكومة وامتنع عن التصويت النائب عن «الجماعة الإسلامية» عماد الحوت، وتغيب النواب هاشم علم الدين بداعي المرض، ودوري شمعون بداعي السفر وحسن فضل الله (من حزب الله) وطلال أرسلان.
وتناولت المناقشات التي اتسمت بالهدوء والمواقف المضبوطة تحت سقف التوافق الذي أنتج الحكومة الجديدة بعد مضي أكثر من خمسة أشهر على الانتخابات النيابية في حزيران (يونيو) الماضي، الكثير من مواضيع الخلاف بينها إلغاء الطائفية السياسية والعلاقة مع سورية وموضوع تفسير الدستور والإصلاحات للنظام السياسي. وانضم نواب من غير مسيحيي قوى 14 آذار في الأكثرية، ينتمون الى كتلة «المستقبل» النيابية و «تكتل لبنان أولاً» الذي يرأسه الحريري الى انتقاد سلاح «حزب الله» والنص الذي تناوله فيه البيان الوزاري.
وردّ الحريري على مداخلات النواب شاكراً له ولهم «هذه الجولة الغنية من المناقشات التي قدمت مشهداً حضارياً عن نظامنا الديموقراطي البرلماني». وقال: «البيان الوزاري ليس مكاناً وحيداً لبت كل القضايا الخلافية في البلد، هناك قضايا أردنا أن يشكل البيان منطلقاً لمعالجتها والتوافق عليها وهناك قضايا أخرى ستبقى موضع حوار متواصل ولكنها لا يصح أن تتحول الى سبب للانقسام الوطني».
وأضاف: «البيان الوزاري ليس مجرد برنامج عمل أو رؤية تحدد توجهات الحكومة بل يجب أن يشكل إرادة حقيقية للعمل في سبيل نهوض لبنان وتعزيز الاستقرار الوطني ووضع الإصبع على أماكن القلق في المجتمع اللبناني». وزاد: «لا يعنينا أن يكون البيان لائحة وعود بل أن يشكل البيان عهداً قاطعاً ومسؤولاً لكل اللبنانيين واللبنانيات من كل الوزراء، بالتضامن والتضامن والتضامن وعدم تكرار التجارب الماضية بالحكم والمعارضة تحت سقف واحد».
وأكد: «كلنا هنا في خدمة لبنان، لا أحد قادر على إلغاء الآخر ولا خيار أمامنا سوى النجاح في تجربة التضامن الوطني وتقديم نموذج جديد للبنانيين بأن قياداتهم السياسية قادرة على صون البلد وتجديد الثقة بالدولة والمؤسسات الدستورية»، مشيراً إلى أن «هذه الحكومة هي حكومة وفاق وطني أو إئتلاف وطني أو وحدة وطنية، وفي اللحظة التي تتحول فيها الى حكومة خلافات وطنية أو إلى حكومة متاريس طائفية أو مذهبية ومعطلة عن القيام بدورها في معالجة هموم المواطنين، في هذه اللحظة سأكون أول من يطرح الثقة بنفسي وبها».
وأضاف: «المناقشات مهما كشفت عن خلافات في وجهات النظر، كانت جيدة ومفيدة لأنها أعادت بث الروح في نظامنا الديموقراطي وقدمت للرأي العام اللبناني فرصة العمل المسؤول حول كل القضايا الوطنية والاقتصادية والاجتماعية»، مؤكداً ان «لا يختلف اثنان على أن مواجهة تهديدات اسرائيل وانتهاكاتها لسيادتنا والدفاع عن حقوقنا الوطنية في الأرض والمياه شأن اللبنانيين جميعاً وهو ما جرى التأكيد عليه في البند السادس من البيان، وهو بند لا يشطب دور الدولة ومؤسساتها العسكرية من مهمة الدفاع عن الوطن وحماية السيادة الوطنية، فالجيش هو المسؤول في المقام الأول عن هذه المهمة ولا يصح التشكيك في قدرته على المواجهة والدفاع عن الأرض والشعب والحدود في وجه العدو الاسرائيلي، والحكومة عند التزامها الكامل بتعزيز قدرات الجيش لتولي مسؤولياته الوطنية».
وزاد: «اكدنا في البيان الوزاري أن انتهاج سياسة التضامن العربي بعيداً من سياسة المحاور يحقق المصلحة الوطنية وعلى هذا الأساس سنعزز علاقاتنا مع الأشقاء العرب ونتطلع بوجه خاص إلى علاقات مع سورية تفترضها الروابط الأخوية والمصالح المشتركة وتقوم على قواعد الثقة والمساواة واحترام سيادة البلدين».
وشدد على أن «دورنا جميعاً في احترام الدستور وأصول العمل الديموقراطي وتطبيق الطائف». وأوضح أن «الأولويات التي تعني هموم الناس هي البرنامج الحقيقي الذي ستركز عليه الحكومة، وهذا البرنامج وصفه البعض بأنه طموح، لكنني لا يمكنني أن أصدق ولا الناس تصدق أن البلد الذي قام من حروب أهلية طاحنة و6 اعتداءات إسرائيلية إجرامية ليصبح على ما يراه العالم اليوم، لا تستطيع حكومته أن تحقق أولويات الناس. الناس تريد التيار الكهربائي في منازلها، وبيئة نظيفة ومياهاً نظيفة في بلد تهدر فيه الثروة المائية في البحر وعلى الطرقات. تريد العدالة في التعليم والصحة والسكن. الناس تريد للقانون أن يسود فوق الجميع وفي كل المناطق. تريد ذاكرة وطنية وملتئمة الجراح بإقفال نهائي لصفحة التهجير وتعويض نهائي لدمار المعارك والحروب في كل لبنان. تريد حكومة تدير الشأن العام بكفاءة وليس حكومة لإدارة الخلافات السياسية. تريد تجديد شباب الدولة وفتح الأبواب أمام مشاركة الشباب الحقيقة والمرأة في إدارة الشأن العام والانخراط في قيادة المؤسسة السياسية والإدارية. الناس تريد الإنماء الحقيقي المتوازن الذي يعالج القضايا الاجتماعية المزمنة للأطراف، وهذه مناسبة لأقول إن علينا أن لا نكتفي بالإنماء المتوازن بل علينا أن نسعى إلى الانتماء المتوازن. أن نولد في طوائفنا لكن ننتمي الى الدولة اولاً وأخيراً. ننتسب الى أحزابنا لكن ننتمي الى الدولة اولاً وأخيراً، وهكذا نكون قد حولنا حكومة الوفاق الوطني الى حكومة التوفيق الوطني».
وكانت مداخلات يوم أمس شهدت أيضاً إثارة لقضية الاستنابات القضائية السورية في حق عدد من الرموز السياسية والأمنية والقضائية والإعلامية اللبنانية وبعض مستشاري الرئيس الحريري كمدعى عليهم بصفتهم شركاء في دعوى اللواء جميل السيد ضد شهود زور سوريين في التحقيق في اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري.
وفي وقت يفترض أن تتبع نيل الحكومة الثقة النيابية زيارة يقوم بها رئيس البرلمان نبيه بري الى دمشق، قالت مصادر مقربة منه أمس لـ «الحياة» إن موعدها لم يحدد بعد لكنها واردة في أي وقت. كما يتطلع الوسط السياسي الى الزيارة المرتقبة للرئيس الحريري الى دمشق بعد زيارة سيقوم بها خلال هذين اليومين الى المملكة العربية السعودية، ثم الى كوبنهاغن للمشاركة في قمة المناخ حيث يلتقي عدد من رؤساء الدول والقيادات بين 17 و18 الجاري، ليعود بعدها ويجري تحديد موعد زيارته الى سورية لبدء حوار تطبيع العلاقة بين البلدين.
وكان الجزء الأخير من الجلسة النيابية، ليل أمس شهد مداخلات كثيرة، منها للنائب عاصم قانصوه عضو قيادة حزب البعث الموالي لسورية، الذي رفض وصف بعض نواب قوى 14 آذار الوجود السوري بالاحتلال.
وبين أبرز المداخلات تشديد النائب محمد كبارة على «الحفاظ على الدستور وتنفيذ كامل بنوده وعدم السماح بتخطيه»، ولـ «رغبات علنية لتعديل الطائف». وأوضح انه لا يرفض «السلاح من منظار مقاومة العدو بل لاحتكاره صفة المقاومة واحتمال تحوله في أي لحظة الى سلاح ميليشيوي». وشدد على علاقات «جيدة» مع سورية، داعياً الى «تغيير عقلية الاستتباع».
ودافع النائب علي حسن خليل عن «الديموقراطية التوافقية بصفتها طرحاً دستورياً وكرسها لبنان في دستوره وهي مظهر من مظاهر الديموقراطية».
وقال خليل: «لم يتحدث القرار 1701 عن منع المقاومة، ونحن وفق القانون الدولي في حال وقف العمليات الحربية وليس وقفاً لإطلاق النار بينما إسرائيل تقوم بعمليات حربية تستوجب علينا الاستعداد».
وذكر النائب سامي الجميل الذي وصف الوجود السوري بالاحتلال، بأن جده الشيخ بيار الجميل ذهب الى سورية طالباً دخولها لبنان.
ودافع عن طرح بري تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية «لأنها نص دستوري لا يمكن أحداً منعه».
نديم الجميل: كلام الرئيس حافظ الأسد في جامعة دمشق يقول كيف دخل الجيش السوري الى لبنان.
وقال النائب انطوان زهرا إن «الجلسة لمناقشة البيان الوزاري وليس لمناقشة أطماع إسرائيل». ولفت الى «خلط مقصود وربما هادف، بين مقاومة إسرائيل وبين كلمة مقاومة التي تحفظنا عليها لأن البند السادس يقول إن الأمر مطروح على طاولة الحوار، والمقاومة الحالية، التي نقدر تضحياتها، من أهم عناصر القوة لكن يجب أن تكون تحت سلطة الدولة».
وتحدث رئيس كتلة نواب «حزب الله» محمد رعد فقال إنه «قبل سنوات كان المشهد السياسي يرتسم على وقع الانقسام الداخلي بين الرؤى والاصطفافات ولم يفوت العدو الصهيوني فرصة الإفادة من هذا المشهد. اليوم تشكلت حكومة تحمل تباشير وفاق وطني واستقرار مرجو. وفي مناقشتنا لبيانها الوزاري لن نتوقف عند النقطة والفاصلة فهو تضمن جملة نوايا حسنة ومقاربات معقولة للمسائل السياسية كما أعرب عن طموحات لا نرى صعوبة في تحقيقها إذا تشابكت الأيدي وتضافرت الجهود». وأكد أن الثقة تنطوي على التزام بالتعاون الكامل من أجل توفير مستلزمات النجاح للحكومة، داعياً الى الارتقاء بالعلاقات مع سورية الى المستوى المميز أو لجهة توفير الجهوزية الدائمة لمقاومة الاحتلال الصهيوني وعدوانيته المستمرة.
وأكد أنه لا توجد قضية خلافية يستعصي التوافق على حل حولها ولا توجد مسألة من طرح المداورة الى طرح الديموقراطية العددية مروراً بالمقاومة، كل شيء قابل للحوار لكن الحوار المنتج له مستلزمات أهمها الصدقية والاحترام المتبادل والتحديد الواضح لقضايا الخلاف واعتماد معايير ثابتة بغية التوصل الى قناعات مشتركة أو الى تقاطعات مصالحة وتفاهمات.




















