البحث الميداني الذي رعاه التجمّع النسائي الديمقراطي، وأشرفت عليه د. فهمية شرف الدين، ونفّذته كارولين سكّر…. هذا البحث يأتي ليُسهم في توضيح معالم الطريق الذي اختطته، منذ أكثر من عقد من الزمن، المنظمات النسائية والحقوقية والمدنية في مناهضتها للعنف ضد المرأة في مجتمعاتنا.
هو ينضم إلى أبحاث ميدانية لا تزال تتكاثر في إصدارات وتقارير تتناول جوانب ذلك العنف لتضيء تباعاً بعض أحواله وأهواله في أسرنا. هذا التكاثر، إنما يعكس طلباً من هذه المنظمات التي لا تزال تناضل بدأب ومثابرة، منذ أكثر من عقد من الزمن، لتطوير عملها في مناهضة العنف ضد المرأة، وتوسيعه إلى مجالات وأصعدة يتغلغل فيها العنف في أشكاله الضمنية والصريحة سواء بسواء.
هو النضال الذي ابتدأته الناشطات عندنا برد الفعل على ذلك العنف، إن بكسر الصمت حوله، أو بالاستجابة لحاجات ضحايا العنف الآنية، ومرافقتهن في معاناتهن. وهو نضال جعل غايته انتزاع العنف من سطوة المجال الأسري الخاص ومن اعتباره شأناً خاصاً بأشخاصه ـ مرتكبين ومتلقّين ـ وما زال مستمرأ في استنهاض المجتمع بأسره، أفراداً وجماعات ومؤسسات، للتنبّه إلى مسؤوليته (أعني مسؤولية المجتمع) في التصدي لذلك العنف.
ولعلّ أهم مظاهر نقل موضوع العنف ضد المرأة من الحيز الأسري الخاص إلى الحيز المجتمعي العام، هو ما نشهد، حالياً، من حضّ منهجي للمسؤولين على المضي قدماً بعملية التشريع القانوني الآيل إلى ردع معنّفي النساء المحتملين عن فعلتهم، وإلى إنزال العقاب المستحق بمن يمارسونه، شركاء للمرأة كانوا أم أقرباء بالدم.
إن اشتراك (أو إشراك) الباحثات والباحثين في مسار النضال التي اختطته المنظمات غير الحكومية عندنا، يتناغم مع مقررات مؤتمر بيجينغ الذي جعلت البحث الهادف شأناً تنموياً. ومن يقرأ البنود المكوّنة لكل واحد من مجالات الاهتمام التي طرحها هذا المؤتمر، يقع على البحث في كل واحد منها. ولا ننسَ، بأن التخطيط للتنمية يفترض، راهناً، تضمين رؤى الجماعات المستهدفة وحاجاتها في صياغة مناهج وسبل استهدافها، فأصبح التعرّف المنهجي إلى هذه الجماعات ضرورة ملحّة. هو ما تعلنه مقدّمة الكتاب صراحة من هدف الدراسة.
البحث والنضال: العلاقة الوثيقة
لعلّ أهمّ ما قدّمه هذا الكتاب يتمثّل بالتعبير الصريح عن العلاقة المتبادلة بين فعل البحث وبين النشاط النضالي في موضوع العنف. وقد تمثّل ذلك، أساساً، في التصريحات التي صيغت منها بنود الاستبيان ـ أداة البحث التي استخدمت لجمع المعطيات الأوّلية. فهذه استُلهمت ـ وهو ما ينبُئنا به الكتاب ـ مباشرة من خطاب المعنَّفات أنفسِهن.
صحيح أن ما جاء تحت عنوان "الخلفية النظرية" استند إلى نتائج منظّرين من جهة، وإلى مراجع ثقة في المعلومات حول الموضوع من جهة ثانية، لكن ما قاله هؤلاء لا يعدو كونَه خلفية تسمح بالتنبّه إلى كلام النساء، وإلى جعل تعبيراتِهن عن آلامهن وأحزانهن في المقام الذي تستحقه: هو المقام الدالّ على عنف النظام البطريركي الذي ما زال يعمل، برغم تداعي بعض أهم أركانه، على تدجين الأشخاص، النساء منهم خاصّة، وليّ إرادتهم بالعنف بكلّ أشكاله.
إن اللجوء إلى تعبيرات النساء الكلامية في صياغة الاستمارة /الاستبيان، يسهم إسهاماً أكيداً في أهلية ذلك الاستبيان لرصد ما يدّعي رصده. ويسعنا، إذ ذاك، الوثوق بالنتائج التي توصّل إليها البحث الميداني، المبني في تجميع معطياته وتصنيف بياناته، على ذلك الاستبيان.
لكن الصياغة المختصرة لتفاصيل اختبار النساء للعنف ـ كما جاءت في الاستبيان ـ وأوجه ردّ الفعل عليه، والحكم الذي أطلقنه عليه….. كل ذلك قدّم لنا وصفاً لمواقع المعنّفات واتجاهاتهن حيال العنف. هي مواقع تنزع عن نسبة غير قليلة من هؤلاء النساء صفة الضحية المستكينة والمتلقية.
صحيح أن هؤلاء النساء لا يمثّلن المجتمع الأعمّ من النساء اللواتي يعانين بصمت، لكن يبقى أن تمادي العنف الذي ذاقته هؤلاء النساء، (كما تبيّن الحالات القليلة المعروضة في نهاية الكتاب)… هذا العنف يبدو ـ وفق ما تبيّنه الدراسات النفس الاجتماعية ـ كفيلاً بدفعهن إلى الانهيار والعزلة واللاحيلة المفضية، جميعها، إلى القبول بأوضاعهن والامتثال للممسكين بزمام أمورها، ويقلل من احتمال تمرّدهن عليها.
لكن سلوكَ هؤلاء النساء المتمثّل بطلب المساعدة من مصدر غير عائلي، (اختيرت العيّنة المدروسة، وعدد أفرادها 300 امرأة، من النساء المعنّفات من نساء أمَمْنَ مراكز "التجمّع النسائي الديمقراطي" على امتداد الجمهورية اللبنانية)، إضافة إلى التأويل الذي قدّمنه للأسباب والعوامل الحاملة للعنف، ولاقتراحاتهن حول ما ينبغي فعلُه، ولاستعدادات بعضهن لتنفيذها….. كل ذلك يشير، برأينا، إلى تحوّل في رد فعل النساء تجاه العنف الممارس عليهن. هو تحوّل ينبغي البحث في شروط حدوثه، والعمل على تعيين الفئة النسائية الأكثر احتمالاً لتعرّضها له. وذلك بمحاولة الإجابة عن تساؤلات من مثل: هل إن المرأة العاملة بأجر، مثلاً، هي أكثر احتمالاً لأن تردّ على عنف زوجها باللجوء إلى المخفر من ربّة المنزل؟ هل إن المرأة التي تعيش في العاصمة على استعداد للنزول في مظاهرة للمطالبة بقانون مدني للأحوال الشخصية أكثر من تلك التي تعيش في مدن أو بلدات لبنانية أخرى؟ إلخ…
سأقدّم مثلاً على ما أقول:
في النتائج الإحصائية أن 47% من النساء أجبن بـ"نعم" على كون "قوانين الأحوال الشخصية" عاملاً مساعداً على حدوث العنف. فإذا كانت هذه العبارة قد وجدت طريقها إلى الاستبيان، أصلاً ، من التداعيات الكلامية لبعض المعنفات في سياق المقابلات التي أجريت معهن، ثم وافق على تعيينها "عاملاً مساعداً على حدوث العنف" من قِبَل أقلّ بقليل من نصف النساء، فإن ذلك التعيين يمثّل، برأينا، تجريداً لمسألة العنف عن أسبابه المباشرة، ونزع صفة الخصوصية عن ممارسته، وهو يشير إلى وعي هؤلاء النساء بأن العنف الذي يتعرّضن له مستقلّ عن سماتهن وعن سمات المعنفين أو الظروف الخاصة بهن. وهو بيّنة على اتجاه يتبنّاه أقل بقليل من نصفهن يتمثّل بإحالة العنف الذي يتعرّضن له إلى العوامل والشروط المؤسِّسة لتجذّره حتى يبدو وكأنه من طبيعة الأمور؛ أي إلى كونه ممأسساً في النظام الأبوي الذي يقوم على التمييز ضدهن، متوسّلاً قوانين الأحوال الشخصية حجّة وسلاحاً لذلك التمييز.بل إن معظم النساء طالبن في سياق المقابلة معهن ، وفق ما جاء صفحة108، "بوضع قوانين لحماية النساء داخل الأسرة"!
نتساءل:
هل كان هذا السؤال سيحظى بالإجابة نفسها منذ سنوات عشر مثلاً؟
وهل كنا لنقابل نساء يطالبن بحماية القانون لهن من العنف الذي يتعرّضن له داخل الأسرة؟
لا أعتقد أننا نبتعد كثيراً عن الصواب إذا أجبنا بالنفي. منذ سنوات عشر ما كنا لنجد نساء معنفات يطالبن بحماية القانون لهن من العنف الأسري، ولا كنا لنجد نساء يربطن بين هذا العنف وبين قوانين الأحوال الشخصية. بل يسعنا تخمين أن "ثقافة مناهضة العنف ضد المرأة" التي عمل الناشطات والناشطون على نشرها، على امتداد السنوات السابقة، قد بدأت تعطي ثمارها. إن النتيجة هذه من شأنها أن تعزز همّة هؤلاء الناشطين والناشطات، وتوفّر"دفعاً لمزيد من العمل" (على ما جاء في مقدّمة الكتاب) بسبب تلمّس بعض تأثيرات عملهم الترويجي والخدماتي على مدى السنوات العشر الماضية.
ما غفلت عنه الدراسة
في الفصل الأخير من الكتاب، وعنوانه "تحديات وتوصيات"، نقرأ:
أن "الحاجّة ملحّة بكيفية تأثير العنف على المرأة في مجموعات مختلفة بحسب السن والطائفة وإجراء مقارنات بينها"…
الواقع أن المعطيات المتجمّعة من تنفيذ الشق الميداني توفّر بعضاً من تلك "الحاجة". هذه المعطيات توفّر، مثلاً، إمكانية البحث عن الصلة القائمة ما بين المتغيّرات الديمغرافية (السن، الطائفة، المنطقة الجغرافية، العمر عند الزواج، المستوى التعليمي للزوجة المعنّفة، المستوى التعليمي للزوج المعنف، الوضع المهني للزوجين) ….. بين كل هذه المتغيرات وبين أشكال السلوك العنفي، وردود الفعل عليه، ونتائجه. كما يسعنا أن نجد االصلة بينها (أي المتغيرات الديمغرافية) وبين المعتقدات المنسوجة حول العنف، والاتجاهات والمواقف الخاصّة والعامة حياله، وحيال أساليب مناهضتها إلخ.
فإذا كانت المعطيات لا تسمح بتعيين مدى انتشار العنف بين النساء بحسب الطائفة، أو بحسب مستوى التعليم، إلخ بسبب عدم تمثيلية العيّنة، فهي تسمح، بخلاف ذلك، بتحديد الاستراتيجية التي تستخدمها المعنّفة لمناهضة العنف؛ وذلك تبعاً لانتماءات المعنّفة وأوضاعها المختلفة: في المذاهب/ الطوائف/ المناطق المختلفة، أو بحسب مستوى التعليم، أو بحسب أنماط المهنة إلخ. لكن الدراسة لم تستثمر المعطيات التي بحوزتها بالشكل الوافي. سأوضّح ما أقول بالعودة إلى الاستمارة.
لنأخذ مثلاً السؤال التالي: هل إن المرأة العاملة بأجر تنتهج طريقة للردّ على عنف الزوج بطرق متميّزة عن المرأة ربّة المنزل؟ أم أنه لا فرق بين الاثنتين؟
أو مثلاً آخر: هل إن نمط العنف الذي تتعرّض له المرأة المسلمة يختلف عن نمط العنف الذي تتعرّض له المرأة المسيحية؟ أم أن الاثنتين تتعرضان للعنف الجسدي أو الاقتصادي أو النفسي بالدرجة ذاتها؟
إن استخدام محك إحصائي بسيط يسعه الإجابة عن السؤالين وعلى غيرهما أسئلة كثيرة أخرى بمستوى ثقة غير قليلة. هي إجابات متاحة لو تمت معالجة المعطيات بطريقة تتجاوز الاستعراض البسيط، معتمدة الجداول المتقاطعة، مثلاً،على نحو يسمح بتعرّف أدقّ على علاقة كلّ واحد منها بالآخر. إن معالجة إحصائية أكثر تركيباً للمعطيات المتجمعة من الدراسة الميدانية، كانت ستقدّم معرفة ثمينة ـ كما يؤكّد الكتاب في صياغة أهدافه ـ للناشطين وللناشطات من أجل تطوير نضالهم في مناهضة العنف ضد المرأة.
إن مراجعة كتاب لا تهدف، بالطبع، إلى اقتراح دراسة ثانية، ولا إلى كتابة مختلفة. لكنها تبقى قراءة محكومة بـ"التواءات" القارئ وهواجسه، فتُسبغ على تلك القراءة صفة "النقدية". هو نقد لا يحجب، في هذه الحالة تحديداً، كون كتاب آلام النساء وأحزانهن… قد وفّر مزيداً من المعرفة حول موضوع العنف الزوجي العصيّ على الاستقصاء عندنا، وقدّم مزيداً من الجلاء لتعقيداته
"المستقبل"



















