ما زالت قضية "الدرع الصاروخية الاميركية المضادة للصواريخ"، تحتل البند الخلافي الاول بين روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الاميركية. وعلى رغم ان ادارة الرئيس بوش بدأت تنفيذ خطتها في نشر منظومة الدرع الصاروخية في بعض بلدان اوروبا الشرقية، فان المعارضة الروسية ما زالت آخذة بالتصاعد في وجه هذه الخطوة التي تعتبرها، موسكو تهديدا مباشرا لأمنها القومي وتخل بمبدأ التوازن الاستراتيجي الذي اتاح لأوروبا ان تنعم بالهدوء والأمن طيلة فترة الحرب الباردة. لقد كان آخر مظاهر هذا التصعيد القرار الذي اتخذه الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف، مؤخرا، بنشر صواريخ روسية متطورة من طراز "اسكندر" في الجيب الروسي" كالينينغراد" الواقع بين بولونيا وليتوانيا على بحر البلطيق.
تعود جذور هذه القضية الى اواسط ثمانينات القرن الماضي، في اوج الحرب الباردة بين القطبين السوفياتي والاميركي، وسباق التسلح على اشده بينهما، حين اطلق الرئيس الاميركي السابق رونالد ريغن مشروع "حرب النجوم"، او "عسكرة الفضاء"، اي إقامة منصات صواريخ اعتراضية مزودة برادارات لكشف واعتراض اي صاروخ عابر للقارات لمهاجمة الاراضي الاميركية. عدلت ادارة ريغن عن تنفيذ المشروع لكلفته المالية الباهظة، ووضع في ادراج الادارة ؛ بعد ريغن، جاء بوش الأب ثم بيل كلينتون، لكنهما لم يفعلا شيئا في هذا الاتجاه، الى ان اتى جورج بوش الإبن الذي اعلن في الأول من آيار 2001 عزمه تنفيذ المشروع لحماية بلاده وحلفائها وقواته العسكرية المنتشرة في القارة الاوروبية من هجوم صاروخي عابر للقارات من دول اطلق عليها لقب "مارقة" وفي طليعتها ايران. يذكر ان الرئيس بوش سئل، في تلك الفترة، ان كان المشروع يتعارض مع المعاهدات الدولية القائمة والراعية للتوازنات الاستراتيجية، خصوصا في القارة الاوروبية، وفي مقدمتها معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ المعقودة عام 1972 بين واشنطن وموسكو، فأجاب بان ذلك كان في الماضي، اما اليوم فقد تغير اعداؤنا وتغيرت اساليبهم، لذا يتوجب علينا تغيير وسائلنا لحماية ارضنا الوطنية وحلفائنا وقواتنا العسكرية في الخارج. وفعلا اقامت ادارة بوش درعا صاروخية مؤلفة من رادار ومنصة إطلاق اعتراضية في ولاية "الاسكا" الاميركية، ومنصة صواريخ اعتراضية في ولاية "كاليفورنيا" الاميركية ايضا وثلاثة رادارات في كل من بريطانيا وجزيرة غروينلاند التابعة للدانمارك واليابان. في منتصف العام 2006 بدأت المفاوضات بين الادارة الاميركية وكل من الجمهورية التشيكية وبولونيا في اوروبا الشرقية بهدف نصب منصة لإطلاق الصواريخ الاعتراضية (عشرة صواريخ) في ملجأ تحت الارض في بولونيا، وتركيز رادار ضخم في الجمهورية التشيكية. وللتدليل على جدية هذه الادارة في تنفيذ المشروع، طلبت في 22 شباط من العام الماضي رسميا من حكومتي البلدين فتح المفاوضات حول شروط قبول نشر هذه المنظومة. ابتدأت المعارضة الروسية للمشروع واتخذت اشكالا مختلفة: احتجت موسكو، في البداية، على عدم التشاور معها بشأن المشروع، تلا الانتقاد السياسي، تدخل الخبراء العسكريين الروس لتبيان عدم جدوى المشروع وهددوا بتدمير تجهيزاته اذا ما تم تركيبها بالفعل، وفي نفس الوقت اشاروا الى ان المشروع يخل بالتوازنات الاستراتيجية في القارة الاوروبية، وخصوصا لدى إعلان ادارة بوش ان المنظومة هي دفاعية وموجهة الى ايران، مع ان هذا البلد، وحسب هؤلاء الخبراء، لا يملك صواريخ عابرة للقارات واذا لجأ الى تطوير اسلحته فإنه لن يصبح قادرا على انتاج صواريخ عابرة للقارات إلا بعد عقد من الزمن، في احسن تقدير. دخلت القيادة السياسية الروسية على خط الاعتراض الشديد اللهجة، حتى ان الرئيس فلاديمير بوتين وصف ادارة بوش، في احد لقاءاته الاوروبية، بالنظام النازي السابق في المانيا الذي، حسب رأيه، لا يفكر الا بمصالحه ويتجاهل مصالح الآخرين. وعلى رغم كثرة الوفود السياسية والعسكرية الاميركية الرفيعة المستوى التي زارت موسكو لتوضيح افكارها من المشروع ولتليين الموقف الروسي، الا ان هذا الاخير صعًد اعتراضه مهددا بإتخاذ خطوات عملانية لتعطيل مفاعيله. وفي الثامن من شهر تموز الماضي وقعت الادارة الاميركية مع الحكومة التشيكية اتفاقا للبدء بتنفيذ المشروع، كما فعلت الشيء نفسه مع الحكومة البولونية في العشرين من شهر آب الماضي.
لم تهدأ عاصفة الاعتراض الروسية، فالرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف اعلن، في الخامس من هذا الشهر، وهو اليوم الذي أُعلن فيه فوز المرشح باراك اوباما في الانتخابات الرئاسية الاميركية، ان بلاده ستقوم بنصب رادارات متطورة جدا في الجيب الروسي "كالينيغراد" الواقع على بحر البلطيق بين بولونيا وليتوانيا؛ اما عن ميزات هذه الرادارات التكنولوجية، فيقول الخبير العسكري الروسي "اوليغ انتونوف" الذي شارك بفعالية في صنع هذه الرادارات انها قادرة على شل عمل الرادارات الاميركية مما تضطر معه هذه بتعطيل نفسها تلقائيا. وفي الثالث عشر من هذا الشهر، وفي مقابلة له مع صحيفة "الفيغارو" الفرنسية، تحدث الرئيس ميدفيديف بإسهاب عن المنظومة الصاروخية الاميركية، وبعد تحميله مسؤولية ما يجري لإدارة الرئيس بوش، اقترح العودة الى "الخيار الصفر" ـ التعبير الذي كان شائعاً إبان الحرب الباردة ـ، اي ان تتخلى روسيا عن نصب راداراتها مقابل التخلي الاميركي عن نصب المنظومة في البلدان الآنفة الذكر، وقد اضاف ميدفيديف، لدى حضوره الاجتماع الدوري بين روسيا والاتحادالاوروبي في "نيس" الفرنسية، اقتراحا يقضي بمناقشة مشرع للأمن الاوروبي بين بلاده وكل من الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة. من جهته قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ان بلاده "ستكون مضطرة الى اتخاذ التدابيرالعسكرية التي تراها مناسبة في حال تواصلت التهديدات لأمنها"، داعياً الاطراف المعنية "الى التوقف لفترة عن القيام بأي خطوات"، خصوصا على صعيدي "الدرع" و"توسيع" الحلف الاطلسي بضم جمهوريات سوفياتية سابقة، ممتدحا في الوقت نفسه تصريحات الرئيس الاميركي الجديد بقوله: "نحن لاحظنا التطور المهم عندما اعلن الرئيس المنتخب ان ادارته ستحلل فعالية نشر الدرع الصاروخية وجدواها قبل الإقدام على خطوات جديدة".
ردت ادارة الرئيس بوش على التصريحات الروسية عبر وزير الدفاع الاميركي "روبرت غيتس"، الذي كان يحضر اجتماعا للحلف الاطلسي في 13 من الشهر الجاري في استونيا، بقوله ان ما صدر من تهديدات روسية مؤخرا ضد الولايات المتحدة "استقبال لا تستحقه الادارة الاميركية الجديدة (…)، انها استفزازية وغير ضرورية وطائشة" ؛ اما وكيل وزارة الخارجية الاميركية للحد من التسلح "جون رود" فقال من جهته بان واشنطن "لا ترحب بتصريحات ميدفيديف عن نظام الدرع الصاروخية وتراها مخيبة للآمال".
الا ان السؤال المطروح اليوم هو: كيف سيعالج الرئيس الاميركي الجديد القضية والتي شبهها احد المحللين بـ"كرة النار"، التي انتقلت اليه من الادارة السابقة؟
لم تتطرق اوساط اوباما الى هذه القضية مباشرة، بل اشارت الى ان الرئيس الجديد سيعتزم، لدى تسلم مهام منصبه الجديد في العشرين من كانون الثاني المقبل، العمل مع روسيا من اجل خفض الترسانتين النوويتين الاميركية والروسية ورفع الصواريخ النووية من حال التأهب القتالي، والعمل لتنظيم قمة لزعماء دول العالم في عام 2009 للتصدي لتهديدات الارهاب الدولي ومع روسيا لزيادة فترة التحذير واتخاذ القرارات في اثناء اطلاق صواريخ نووية وذلك لوضع حد للسياسة التي تعود الى فترة الحرب الباردة.
فهل سينجح اوباما في نزع فتيل القنبلة الموقوتة، وكيف، وضمن أية آلية؟
"المستقبل"



















