جدران الهويات والطبقات
تقاطعات مثيرة للاهتمام: امرأةٌ سوريةٌ صاحبة ثقافةٍ فرنسيةٍ، تحلّل حياتها العائلية والسياسية والفكرية مع التشديد على التقصّفات والانقسامات والجدران القائمة بين العالم العربي وأوروبا. وصحافية أميركية تحدّد أطراف التغيير الاجتماعي في الشرق الأوسط، في وقت تنهار فيه سياسة "تشجيع الديموقراطية" العزيزة على قلب حكومة السيد جورج والكر بوش.
نجِد في "إسقاط الجدران" [1] مفاتيحاً لفهم العلاقة المعقّدة بين الإسلام والعروبة وأوروبا، إضافةً إلى الذاكرة الشخصيّة لإمرأة من أصلٍ سنيّ، تربّت وسط أخلاقيّات إسلامية قوميّة عربيّة. عاشت في لندن وباريس والقاهرة، وهي تدير شبكة من المؤسّسات العربية المؤيدة للديموقراطية.
فبحسب بسمة قضماني، لم تعرف المجتمعات العربية مسارها الخاص نحو الحداثة، إلاّ عبر النفوذ الأوروبي المتجسّد في المؤسّسات القضائية والتربوية والقوّات المسلّحة. في الوقت نفسه، نشأت الريبة تجاه أوروبا بسبب التدخّلات العسكرية وفرض وجود دولة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية، إضافةً إلى دعم واشنطن والحكومات الأوروبية للاحتلال الإسرائيلي.
تروي المؤلّفة كيف بنى قادة التحرّر الوطني دولاّ عربية من خلال إقامة الجدران – نحو الخارج وفي الداخل – خوفاً من التدخّل الخارجي وخشيةً من مجتمعاتهم. أما الأفكار الأوروبية (الحقوق المدنية وحقوق الإنسان، المواطنة الكونية) التي نالت الإعجاب في القرن التاسع عشر، فقد انتهى بها الأمر إلى التماهي مع تدخّل الولايات المتحدة وإسرائيل: "كل ما هو مختلفٌ يصبح مصدراً للفُرقة".
ففي نظر قضماني، استخدمت النخب الحاكمة الفاسدة الانقسامات (بين الإسلاميين وغير الإسلاميين، والسنّة والشيعة، والمسيحيين والمسلمين) وفاقمتها من أجل الاستمرار في الحكم. جدران هويّة وجدران بين الطبقات الاجتماعية عائدة إلى نتائج الليبرالية الاقتصادية: "فالتكوين الإثني والطائفي لهذه المجتمعات شيء، والتكوّن الاجتماعي الشديد الطبقيّة شيءٌ آخر".
من هم المستفيدون الكبار من هذه الشروخ؟ السلطات الدينية ذات الخطاب القطعي وغير المتسامح، والتي تركت لها السلطات حيّزاً كبيراً من المجتمع. "تلجأ الناس إلى الجماعة الدينية التي توفّر إطاراً وتنظيماً اجتماعياً. فالدين والسياسة السلطويّة تتقاطعان وتشرّع كلّيهما الأخرى".
تضع قضماني أملها في إضرابات مصر، وفي وسائل الإعلام المستقلّة، والمطالب المتزايدة بالحرية في القضاء والتربية، ما يسهّل "إصلاحا سياسياً تدريجيّاً ولا عنفياً". لكن الآليّة السياسية تفترِض حواراً مع الحركة الإسلامية التي تتمتّع بقاعدةٍ اجتماعية واسعة ومنظّمة، إضافة إلى اقتصادٍ موازٍ للدولة مع بنياته التحتيّة وتمويلاته وخدماته.
في كتاب "أحلام وظلال" [2]، تعتبر أيضاً الصحافية روبن رايت من "الواشنطن بوست" أنّ هناك أصواتاً جديدة – منشورات، قضاة، نساء من دعاة تحرّر المرأة، أصحاب أعمال، قادة دينيين وأكاديميين ـ- يريدون الانتهاء من منطق الديكتاتوريات السياسيّة الفاسد، ومن التسلّط الديني المتعصّب، ومن اللامبالاة الاجتماعية.
هكذا يقدّم الكتاب سلسلةً من الحوارات في ظروفٍ محدّدة مع قادةٍ دينيين وسياسيين مثل الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله والمحلل الانتخابي الفلسطيني خالد الشقاقي، والناشطة المصرية غادة شهبندر، والقاضي ناصر أمين الداعي إلى استقلال القضاء في مصر، والكاتبة المغربية فاطمة المرنيسي أو البرلماني السوري المعارض رياض سيف.
تقرّ رايت بتقهقر دور الولايات المتحدة في المنطقة؛ لكنّها تبقى في منتصف الطريق عندما تصِف دور إسرائيل وتعفيها من أيّ مسؤولية في فشل مفاوضات عام 2002 بين إسرائيل وسوريا، وبين إسرائيل وياسر عرفات. إنّ إبعادها لإسرائيل عن النقاش حول المستقبل السياسي للشرق الأوسط يمنعها من الوصول بالإشكالية المطروحة إلى نهايتها.
* يدير ماريانو أغيريه قسم السلام والأمن وحقوق الإنسان في "مؤسّسة العلاقات الدولية والحوار الخارجيّ" Fride، في مدريد.
[1] Bassma Kodmani, Abattre les murs, Liana Levi, Paris, 2008, 125 pages, 12 euros.
[2] Robin Wright, Dreams and shadows. The future of the Middle East, The Penguin Press, New York, 2008, 464 pages, 26,95 dollars.
"لوموند ديبلوماتيك"



















