شعار «التغيير» الذي رفعه المرشح أوباما خلال حملته الرئاسية لم يدغدغ فقط أحلام الغالبية من الاميركيين، بل تخطاهم الى خارج الحدود حيث كان يسود الشعور ذاته بضرورة طي صفحة ادارة بوش التي عانى العالم من رعونتها طويلاً. لكن المشكلة التي برزت بسرعة هي ان للتغيير في الدول الديموقراطية آليات لا يمكن تخطيها وتقاليد لا يمكن كسرها، وان للمشكلات في الخارج تعقيدات وخصوصيات لا تسمح باستعجال الحلول، وقد توصل الوسطاء أحياناً الى غير مقصدهم.
كانت الحاجة الى التغيير قوية الى درجة ظن معها الجميع انه سيحصل بمجرد فوز مرشحه، لكن بعد عام واحد فقط بدا كأن خيبة الامل صارت قاسماً مشتركاًَ بين الأميركيين والعالم، كل لأسبابه.
في الداخل، يقول منظرو اليمين المحافظ الذي هزمه أوباما ان نجاحه جاء على يد كتلة كبيرة من الوسطيين الذين كانوا يرغبون فقط في معاقبة بوش «الأخرق»، لكنهم لم يعطوا الرئيس الجديد تفويضاً مفتوحاً بطرح قوانين تعكر رتابة حياتهم وتهدد القيم السائدة في مجتمعاتهم الصغيرة وتقلب الافكار التي نشأوا عليها منذ اكتشاف أميركا. ولهذا قرروا وضع حد لمشروع يعتبرونه تهديداً لأسس الرأسمالية التي تقنّن الفوارق بين الاغنياء والفقراء وبين من يحق ومن لا يحق له بالرعاية الصحية.
ويرد مؤيدو أوباما بأنه كان من الضروري البدء بتطبيق برنامجه فور وصوله الى الرئاسة مستفيداً من زخم التأييد الذي ناله، وان تأجيل ذلك سيعني انه لن يستطيع إحداث أي تغيير لاحقاً لأنه سينشغل اعتباراً من بداية السنة الثالثة من ولايته بمعركة التجديد، ويؤكدون انهم لم يشكوا يوماً في ان معركة التغيير ستكون صعبة وتتطلب جهداً خارقاً بسبب طبيعة الاميركيين الميالين الى الاستقرار والتدرج البطيء.
واذا كان هؤلاء وجهوا ما يشبه الإنذار للرئيس عندما هزموا مرشحته في مساتشوستس، المعقل التقليدي للديموقراطيين، ووضعوا مصير مشاريعه الاصلاحية في خانة المجهول، فإن الهم الاول بالنسبة الى الناخبين يبقى معدل البطالة والانكماش الاقتصادي، وهو ما لم تفلح ادارة اوباما حتى الآن في تعديل مساره، ليس بسبب تقصير منها، بل بسبب فداحة الوضع الذي ورثته وتكاثر الأزمات عليها. وربما بات ضرورياً ان تتغير هي وتعدل مقاربتها للمشكلات وحلولها.
وفي الخارج، حيث كان الانفتاح والحوار والايجابية عناوين الخطاب الذي وجهه أوباما الى العالم، وخصوصاً الى الجزء المسلم والعربي منه، يبدو الأفق مسدوداً والمشكلات تزداد صعوبة، بل هي وصلت الى حد الاستعصاء، بسبب تعنت الاطراف وتصاعد تهديد الانظمة والمجموعات المتطرفة.
ويبدو ان احتمال تجدد المواجهات في المنطقة وأطرافها بات أشد ترجيحاً، لا سيما مع انتقال المعركة ضد «القاعدة» الى ساحات جديدة مثل اليمن، ونجاح التنظيم الارهابي في اختراق منظومة الأمن الاميركي في أكثر من مكان، ومع اكتشاف الاميركيين ان افغانستان لا تشبه العراق، وان النجاح الذي سجل هناك لا يمكن استنساخه هنا، وان الوضع في هذا البلد أشبه بالثقوب الكونية السود التي تبتلع كل ما يقربها. ومع تأكد واشنطن من ان المتطرفين يسعون الى حرب بين الهند وباكستان، حيث البعد النووي المفزع قد يفلت من عقاله، واقتناعهم بأن ايران رفضت اليد الممدودة ولا تستسيغ الحوار الذي قد يكبل سعيها الى إكمال برنامجها النووي، وانه لا بد من تعزيز العقوبات وربما التفكير في خيارات أخرى. والحصيلة هي ان أوباما وقع ضحية شعاره، وانه يتغير، ولا بد ان يتغير أكثر.
"الحياة"




















