العلاقات الدولية المتطورة والتي فُرضت عليها المصالح وتبادل السياسات والمعلومات ، وتحالف الأصدقاء مع الأضداد، جعلت رقعة المعاملات تتسع، فكان لتعلّم لغات الشعوب أمر فرضته طبيعة المجتمع وثقافته ونهضته وتطوره الإنساني عبر التاريخ، ولم تعد لغةٌ ما تحتكر التواصل بين الأمم عندما سادت لغات الاستعمار الإنجليزية والفرنسية، بل صارت حتمية ، لكي تفهم شعباً ما عليك أن تدرس لغته ، أمرا واقعاً لأنها مفتاح المغاليق على حياة أي أمة..
الوطن العربي، وعلى الأخص العواصم التاريخية أدخلت لغات أوروبية وتركية فترة الاحتلال، ولكنها اقتصرت على أصحاب الصالونات المخملية، لأن من تعلموها كانوا طبقة تابعة لا تضع في أهدافها نشر حضارة وتطور تلك الدول حتى إن هناك أحياءً انعزلت عن الحياة الشعبية في المدينة الواحدة، وكانت في معاملاتها وعلاقاتها لا تتحدث ولا تكتب إلا باللغة المستوردة، لكن بعد انتشار التعليم الجامعي والبعوث، صار لزاماً أن تتجه تلك اللغات إلى الثقافة والعلوم والدراسات الاجتماعية، وقد اكتسبت اللغة العربية من خلال نشر تلك المعارف أنها أخذت، ولو بشكل محدود، إنجاب قواميس لكلمات مولدة، أو معربة لتخرج إلى الشارع العام بطبقاته المختلفة..
الآن وثورة الاتصالات والمواصلات اخترقت الحواجز، ولم تعد الأبعاد الجغرافية تغلق الأبواب على التواصل مع كل العالم، جاءت حاجة تعلم اللغات ليس ترفاً، وإنما لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، إذ لم تعد مثلاً اللغات الصينية ، والكورية، واليابانية وغيرها من الطلاسم التي يستحيل فك رموزها، بل جاءت كضرورة لفهمها وتعلمها لفك رموز تلك الشعوب وخلق علاقات جديدة..
في المملكة نحن مقلّون في تعلم اللغات الأجنبية، وإن فتحت في بعض الجامعات فصول دراسية لها، ولا أعني هنا الإنجليزية التي باتت اللغة الثانية لكل شعب في العالم نتيجة قوة أمريكا المهيمنة على المعارف والثروات والابتكارات، وإنما أعني لغات لازلنا في عزلة عنها، مثل الأسبانية، والبرتغالية واللتين نرى كل دول أمريكا اللاتينية تتكلم بهما، ثم هناك آسيا القادمة بقوة وروسيا والدول التي لا تزال تعتمد لغتها في معاملاتها مما جعل من الضروري أن تتجه بعوثنا إليها، لأنها دول بدأت تأخذ بُعدها الدولي كقوى قادمة لا يمكن بأي حال تجاهلها أو نسيانها، وبالتالي فالخارجية ووزارة المالية، والجامعات، وكل من له علاقة بنشاط تلك الدول لابد أن يصل إليها من خلال لغاتها، وإلا سنصبح رهينة عزلتنا، خاصة وأننا قادمون على فتح نوافذنا العلمية والاقتصادية والاجتماعية على كل الثقافات والشعوب
الرياض




















