مرة أخرى يأتي المبعوث الأميركي الخاص، جورج ميتشل إلى المنطقة؛ حاملاً نفس البضاعة. يجول على العواصم ويردّد معزوفة التوكيد على وجوب العودة إلى المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وسعي الإدارة الأميركية لإزالة العوائق من طريقها. كما يكرر التذكير بالتزام الرئيس أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، بالسلام الشامل وحلّ الدولتين. تأكيدات وتطمينات سمعتها عواصم المنطقة للمرة الألف.
لا بأس من تكرارها، لكن في غياب أي أثر لترجمتها، صار ترديدها بلا طعم ولا لون. خاصة وأن زياراته التي صار عددها أكثر من (دزينة)، في أقل من سنة، تدور حول هذه النغمة المكرورة. الإضافة الجديدة، إذا جاز التعبير، هذه المرة؛ كانت في تشديده على أن واشنطن لن توافق على أي خطوة تؤدّي إلى توطين الفلسطينيين في لبنان. لكن مع أهمية هذا الموضوع، إلاّ أنه ليس بيت القصيد ولا مكمن العقدة الآن.
العلّة تعرف واشنطن عنوانها ومسببها.
كما أن جزءا من هذه العلّة، يتمثل في مقاربة الإدارة للمأزق. بدلاً من التصويب على نتانياهو ومراوغاته وابتزازاته، لحمله على وقف تخريبه للعملية؛ تتوجه الإدارة صوب العرب والفلسطينيين لمطالبتهم بتقديم ما يسترضي إسرائيل وحكومتها. علماً بأن هذه الأخيرة تعمّدت وضع شروط تعجيزية، لأنها ليست جادة بشأن التسوية.
والبرهان أنه كلما طرحت صيغة تلوح فيها فرصة معقولة، تسارع تل أبيب إلى افتعال ما يقطع الطريق عليها ويحوّل الجدل نحو مشكلة جديدة. إما بإجازة مشروع استيطاني آخر أو بإجراءات تهويد جديدة في القدس، أو بما يكفل العرقلة والتملّص.
هكذا واجهت مؤخراً الصيغة التي تردّد بأن إدارة أوباما تنوي طرحها والتي تقوم على تحديد سقف زمني محدّد بسنتين للتوصل إلى تسوية نهائية. عارضت إسرائيل مبدأ الجدولة. فكان أن تبخّرت سيرة الخطة.
ذكرت تقارير أميركية أخيرة أن ميتشل يعتزم الاستقالة من مهمته، بعد هذه الجولة. السبب، أن الإدارة «تسمع لإسرائيل أكثر مما تسمع له». تبعاً لذلك، رأى أن دوره بات بلا جدوى. سواء صحّت هذه الرواية أم لا، فهي تعكس واقع الحال. واقع لا يتغيّر إلاّ إذا تخلّت واشنطن عن مقاربتها لـ «عملية السلام».




















