مع تأييدي الكامل لعودة المنتديات، ومطالبتي باستمرار الحوار المنفتح، غير المقيّد بقيود التكفير والتخوين والتحريفية، بين كل من لديه ما يقوله فيما يخص بناء المجتمع وتدعيم الدولة المدنية العلمانية. غير أن لي رؤية تباين ما جاء في الفقرة الثالثة: "أما في الدول المتخلفة، فطغى المجتمع العسكري على المجتمع المدني، وهيمن عليه وصبغه ببنيته. فالتخلف سمح للعسكر- الذين يملكون السلاح والقوة – بتمديد نفوذهم في الداخل، ليشرفوا على، ويتحكموا بالحياة المدنية بحجة ضرورة الانضباط العسكري من أجل درء الفوضى ومواجهة الخارج الطامح بثروات الوطن.".
في رأيي هذا الكلام يصف الشكل الخارجي لبنية مجتمعية، ومع أنها ليست بالشديدة التعقيد، إلا أن كثيراً من الباحثين يحاذر الخوض فيها.!!
في نهاية الحرب العالمية الأولى، والاستقلال عن الدولة العثمانية، كانت توليفة المجتمع تضم في الأعلى ملاّكي الأراضي الزراعية، المقيمين في المدن والريف، (دعونا الآن من مصطلح إقطاع وإشكالاته المربكة) والتجار، والموظفين، وأصحاب المشاغل الحرفية. ويشمل الوسط الباعة بأصنافهم، والصنّاع/ الحرفيين – المنفردين- والمشتغلين لحساب الغير، والفلاحين مالكي أراضي قريتهم على المشاع. أخيراً يبقى أولئك المعدمون دون مورد وعمال عند الطلب/ فَعََلَة في المدينة، وفلاحين دون أرض في الريف.
من نافل القول أن الفئات المالكة بعمومها كانت السند الطبيعي لسلطة الحكم والإدارة والقضاء، فهي المُورِّد الطبيعي للأطر الإدارية والقضائية والتدريسية (بحكم تعلّمها).
في أثناء فترة الانتداب الفرنسي، جنح قسم من مالكي الأراضي إلى بيع بعض ملكيته العقارية أو كلها (ما يسمى حالياً تسييل= تأمين السيولة النقدية) بهدف المشاركة في تأسيس معمل أو مصنع. وإلى هؤلاء وشركائهم يعود الفضل في السعي إلى الانتقال من المَشْغَل إلى المصنع. من جانب آخر بدأت المستحدثات والمبتكرات الغربية تصل إلى البلد، وأهمها المحركات الكهربائية والمخارط، على اختلاف أشكالها ووظائفها، وفيما يتعلق منها بمتممات الملابس الإفرنجية مازال يحمل الاسم الفرنسي (نوفوتيه).
وجاءت الحرب العالمية الثانية بمحاسنها ومساوئها، والأخيرة معروفة للجميع فلا داعي للتكرار، أما محاسنها فلأننا كنا في الأطراف، ونحن بلد معدود زراعياً، فكان أن ازدهرت الأعمال، وبدأ يحصل تراكم بضاعي ونقدي كمي ولكنه ظلّ فردياً، وبالتالي فمقدمات تحوله إلى كيفي لم تكن متحققة إلا جزئياً. والسبب يكمن في أنه إذا كانت الحرب قد أفادت بتوسيع قاعدة البورجوازية الصغيرة (القصيرة النظر) إلى أوسع مدى. فإنها قد أضرّت بالبورجوازية الكبيرة (البعيدة النظر والمغامرة)، لتأثر هذه باختلال الأسعار ومن ثم التضخم الذي تلا، فلم تنل حظها من الاتساع ما نالته منافستها (التي لا ترى أبعد من أرنبة أنفها). وأما المعدمون فإذا كان القليل منهم قد انتقل إلى مضمار البورجوازية الصغيرة، فالباقون استمروا في تحمل ضغط ضنك العيش، على أنه لم يكن لديهم ما يخسرونه.
لمّا خرجت الجيوش الفرنسية، بُعَيْد أن وضعت الحرب أوزارها، عمد الحكم الوطني إلى دعم كل ما من شأنه شد أزر الاقتصاد الوطني، ناهيك عن المثابرة في توسيع التعليم الذي بدأه منذ أربعينيات القرن الماضي. وكان أن وضعت البورجوازية الكبيرة كل زخمها في خدمة التوسع في التصنيع، في حين سيطرت البورجوازية الصغيرة على باقي مجالات الشغل والكسب.
ما حصل خلال الحرب، وبعد الجلاء، أظهر، بوضوح بالغ، مدى الاتساع الذي أصاب قاعدة البورجوازية الصغيرة، وضآلة حيّز البورجوازية الصناعية بالمقارنة به. ولما كانت القاعدة المضطردة من يملك القوة الفاعلة في المجتمع يحكم، من الحتميات التي تحمل مفعولها بذاتها، كان لابد للبورجوازية الصغيرة (القلقة دائماً) من استلام الحكم، وإزاحة البورجوازية الصناعية (لا التعايش معها وهذا موضوع آخر)، ولكن كيف والطبقة الأولى هي الحاكمة ومنشئة وصاحبة الأطر/ الكوادر الفعالة في الدولة؟! وهي في فقر مدقع في هذا الجانب (لاستخفافها بالعلوم العصرية) غير أنه كان هناك حل سهل وبسيط، سبق حدوثه في دول بعيدة، في متناول اليد، العسكر أطر ناجزة، فليقفز الجيش ذي التراتبية الصارمة، والطاعة العمياء، إلى الحكم، وليأخذ بإدارة الدولة بالنيابة عنها، وليعمل على تحقيق مراد تلك التي اعتمدته واختارته لإدارة شؤونها أولاً، وما زالت.
وعليه فالقول: "سورية بلدنا الحبيب، طغت فيها الحياة العسكرية على الحياة المدنية في النصف الثاني من القرن العشرين." ليس دقيقاً كما أرى، فالحياة العسكرية لم تطغ، وإن حدث فيما مضى سعى حثيث إلى عسكرة المجتمع، فما كان له أن يستمر لأن صيرورة الحياة الواقعية لا تحتمل ذلك. لكن الذي حدث أنه لابد من أن تبقى شكلانية، من كلّف بالإدارة بالنيابة، ظاهرة للعيان، للتعريف على الأقل.
تبقى المسألة المؤرقة مسألة المجتمع المدني والتعددية، ليتذكر من هو قادر، وليقرأ من لم يعايش، أما كانت الفترة الذهبية للأحزاب السورية، جميعها، تلك الفترة التي كانت تسيطر فيها البورجوازية الصناعية المتنورة المحبة للعلم والتحديث؟؟ وما سميّ بحكومة التجمع كانت الفسحة المناسبة التي عمدت فيها البورجوازية الصغيرة إلى تهيئة العسكر لاستلام الحكم، بإشراكهم في الأحزاب، والمحاكم الاستثنائية لبعض السياسيين المخضرمين، وبدأ ترحيل التعددية بالبطش بالحزب القومي السوري، من دون أن يجرؤ أحد، أو يتذكر حزب قضية الدفاع عن حرية الرأي والاعتقاد والتعبير. وفي مرحلة الوحدة لمّا رسخت سيطرة البورجوازية الصغيرة جرى حصار الحزب الشيوعي والتضييق على الشيوعيين، بعدها، أخيراً أزيح الثور الثالث، وخلا الجو (فبيضي واصفري) لتلك التي تحقق لها إقالة من كان في استطاعته منع تمددها، وبقائها فرحة بالكسب الهين السريع.
وتأملون بعد كل هذا السماح بمنتديات تتحول مع الزمن إلى تيارات فأحزاب، تكتشف عقم من تسعى جاهدة إلى تغييبها، فتطلب التداول وتكافؤ الفرص وما إلى ذلك!!




















