من يرى في الليل ظلمة فحسب، فإنه لا يرى الأشياء سوى بعينيه، بينما الأشياء الثمينة نراها بالقلب لا بالعين، مثلما يقول الأمير الصغير. لأن الليل هو الحيز الذي يعصمنا من تعسف النهار. هو المنفى وكل منفى جنة. فالفرق بين ليل ونهار هو الفرق بين من يغطس في حوض ماء ومن يجلس على حافته ويتفرج. فالأول يبذل جهداً، متنعماً بما يفعل، بينما الثاني في خمول.
يعلمنا الليل الإنصات إلى الصمت، بينما النهار يحتم علينا ضوضاءه. من قال إن الأرق داءٌ، هو شخص يعاني من علل أخرى، لأن المحظوظين ممن يزورهم الأرق، يتيح لهم معانقة الليل ومسراته، يتيح لهم الانعزال في سكون، بدلاً من صخب النهار. بعض الناس يظنون أن الفرار من مدينة إلى ريف سوف يوفر لهم حياة أكثر هدوءاً، وهم مخطئون في الخيار، لأن الفرار ليس من مكان لآخر، بل من نهار إلى ليل. من يريد أن يغير حياته، فليغير عاداته بين ظلمة وضوء، فالليل يسمح لصاحبه بأن يخفف من ارتطام الأصوات في رأسه، فلا يصغي سوى إلى داخله، يتيح له أمناً، لا يشوبه تعكير. النهار يبدو مثل جثة، نطوف بين جنباتها ونكاد أن نلفظ فيها أنفاسنا، تحت وطأة دوام أو مواعيد، مهما التزمنا بها فإن مواعيد أخرى سوى تظل في حكم المؤجلة. بينما الليل مبعث الحياة، تطمئن فيه القلوب، ولا يخدش طمأنينته عدا صراع قطط على طرف الأزقة الخلفية، أو نباح كلاب ضالة وهي تتبادل وجبات لها على قارعة طريق. أظنني صديق كلاب ضالة. تعرفني مثلما أعرفها. تلك الكلاب التي يقسو قلبها في النهار، ومن يتحرش بها تبادره بالمثل، لكنها في الليل تتحول إلى كائنات أليفة، لا يضايقها أن يترجل بشر إلى جانبها، وهي تحرس الأزقة مثل جندي يحرس ثكنة.
وأظن أن أكثر الناس سعادة هم أولئك الذين وُلدوا في الليل، خرجت صرختهم الأولى في سكينة، لم تزاحمها صراخات أخرى، بدل أولئك الذين ضاعت صرختهم الأولى بين ضجيج النهار. فالنهار يخترق الأسرار، ضوؤه يفضحها، بينما الليل يحفظها، لا يتطاول على صدقها وحميميتها.
من يفضل النهار على الليل، شخص أسلم روحه إلى ضوء كاشف وفاضح لا يوقر الحياة الخاصة، هو شخص يسير بقدميه إلى عبودية طوعية، بينما الخطوة الأولى نحو الانعتاق تأتي من اعتناق الليل، تأتي من الانضمام إلى زمرة السائرين في درب الأرق. الفرق الآخر بين الليل والنهار؛ أن من ينحاز إلى النهار يشبه من يطبع قبلة من خلف زجاج، لا طعم لها. في حين أن الليل يقرب بين القلوب ويزيل الزجاج والحيطان التي تفرق بينها. وفي الجزائر أضعنا الليل وصار منطقة جوفاء، نسمع عنه من غير أن نحيا فيه. وهذا الأمر من مخلفات العشرية السوداء، التي لم نشف منها. تلك العشرية التي انقضت لكن تراكماتها لا تزال ماثلة أمام الأعين. المدن في الجزائر تنزل ستائرها في الليل، لأننا تآلفنا مع خوف منه. ذاكرتنا موشومة بحذر من الظلمة. في الليل كانت السكاكين الطائشة تتجول في الأزقة الخلفية، وكان الموت يحلق فوق الرؤوس. صرنا نتطير من الليل، ونرجو نهاراً، ففي النهار كانت تختبئ نواطير الأرواح. لكن البلد صار آمنا، فلماذا لم نستعد حقنا في العيش ليلاً؟ دافعنا عن الحقوق كلها، الحق في سكن أو سيارة، والحق في تقاضي مقابل من دون عمل، لكننا لم ندافع عن حقنا في التصالح مع الليل. روضنا أنفسنا على معاداته. لأننا أناس ولدنا في زحمة وصخب ولم نتعلم محاسن الظلام؟
بل إن العشاق كذلك انصرفوا عن الليل، لم يعودوا من أهل الأرق مثلما كان عليه أسلافهم، لم يعد يهمهم علم النجوم وإحصاء أعدادها في السماء، بل باتوا ينامون باكراً ففسد الحب. صار سلعة كاسدة، في أسواق النهار، صار يواجه النور وكل نور يمزق عذوبة العشق.
الحياة مثل زبدة تذوب تحت شمس النهار، بينما في الليل نهيم فيها بشغف، نتصالح معها وننجو من الحواجز المزيفة التي ينصبها الضوء. كلما انزاحت الشمس إلى مغيبها، فتحت الحياة بابا لها في دروب الليل. فمستقبل الإنسان المعاصر أن يقيم في ضفة الليل، قصد تفادي الفخاخ التي يدسها له النهار. وسادت مقولة مفادها إن المؤامرات تحاك في الليل، ومن أدلى بهذا القول إنما يريد أن يمنع الآخرين من قطف فاكهة الظلمة. لأن الليل لا مؤامرة فيه، بل فيه صمت وسكينة ونجوم تبزغ في العقول. وإن كانت المؤامرات تحاك فعلاً في الليل، فمن الأولى أن نتفادى النهار من أجل تفادي الوقوع فيها.
في الليل، يختبر الكائن وجوده، يختبر قدرته على الصبر والتحمل، يختبر قدرته في مواجهة الزمن الثابت. فالنهار يجمد الأفكار، يحنطها، بينما الليل يتيح لها أجنحة فتطير. أرق الإنسان ليس غياب النوم، بل الأرق هو كل خوف من العودة إلى الذات. يظن الإنسان أن التحرر يعني المضي في الزمن، أن نخطو من ساعة إلى أخرى تليها، أن نقفز في الوقت، بينما التحرر يعني كذلك السكون في اللحظة، في الإلمام بها، في تأمل الأشياء التي لا تحصل، فالظلمة ليست غطاءً ضد البصر، بل هي البصيرة، والبصيرة تنبت كلما انقلب زمن من نهار إلى ليل. الذين يقيمون في الليل لا يخافون من الزمن، ولا يضيعون وقتاً في عد الساعات والدقائق، لأنهم أدركوا أن النهار مجرد شجرة في طريقها إلى الذبول، بينما الليل هو الخصوبة، التي تطلع فيها أشجار لا يهمها ماء يسقيها، بل في حاجة إلى حكايات تروي عطشها. وعندما نصاب بأرق، فذلك لا يعني أن النوم يخاصمنا، بل يعاني أن الليل قد أتاح لنا الحق في ابتكار أنفسنا، في إعادة النظر إليها. في كل مرة يهجرنا فيها النوم، نتقدم خطوة في فهم أنفسنا.
كاتب جزائري
- القدس العربي


























