تلقى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أمس صفعة مباشرة بتبرئة محكمة باريس خصمه اللدود رئيس الوزراء الفرنسي سابقاً دومينيك دو فيلبان في قضية التلاعب السياسي الكبرى المعروفة بـ"كليرستريم"، وهو ما يتيح لهذا الخطيب المفوه والسياسي "المتقد حكمة" انعاش طموحاته السياسية، في ختام قضية وصفت بـ"مسرحية القرن"، بعدما تحولت قصة رؤساء وجواسيس، تجار وقراصنة، طموحات متضادة وثأراً سياسياً.
وفي أول ردود الفعل على الحكم، قال ساركوزي إنه "اطلع" على هذا الحكم وانه "لن يستأنفه"، مع ان كونه اتخذ صفة الادعاء المدني يحصر حقه في الاستئناف في العطل والضرر، وقد حصل في هذا المجال على أورو واحد رمزي. اما دوفيلبان، فأكد لدى خروجه من قاعة المحكمة أنه يريد "قلب الصفحة والتطلع الى المستقبل"و "خدمة الفرنسيين".
واظهرت الردود السياسية انقساماً كبيراً في اليمين بين معسكري الخصمين، واغتنم اليسار الحكم لفتح النار على الرئيس ، بحجة أنه استخدم القضاء "لتصفية حسابات".
وقال القاضي في الحكم الذي تلي أمام المحكمة انه ليست ثمة أدلة واضحة على محاولة رئيس الوزراء السابق تشويه سمعة ساركوزي قبل الانتخابات الرئاسية عام 2007، وهي التهمة التي أحيل بها على محكمة البداية في باريس. كذلك، برئ متهمان آخران، بينما دين نائب الرئيس السابق للمجموعة الاوروبية للدفاع والطيران "أو اي دي أس" جان- لوي جرغوران الذي اعتبر "العقل المدبر" للقضية، بـ"تشويه السمعة "وحكم عليه بالسجن 15 شهراً مع التنفيذ، و"عبقري" المعلوماتية عماد لحود اللبناني الاصل بـ"التآمر لتشويه السمعة" وحكم عليه بالسجن 18 شهرا مع التنفيذ. فيما دين مدقق الحسابات السابق فلوريان بورج بـ"انتهاك الثقة".
وبالنسبة الى المحكمة، ثبت أن دوفيلبان "أفاد من اقتراح رئيس الجمهورية "جاك شيراك، وأن "اسم ساركوزي ورد مراراً" خلال اجتماع التاسع من كانون الثاني 2004 في مكتب وزير الخارجية. وخلافاً، لما أكده رئيس الوزراء السابق ، تبين أن دوفيلبان تدخل للافراج عن عماد لحود في شباط 2004.
ولكن في ما يتعلق بالمسألة الرئيسية المتعلقة بوجود "أمر" وجهه دوفيلبان لتكليف قاضي تحقيق يتولى القضية، لم تستطع المحكمة اثبات شيء، كما لم تتمكن من اثبات أنه كان يعلم بأن اللوائح المصرفية التي ورد فيها اسم ساركوزي كانت مزورة. وافتتحت الجلسة الساعة العاشرة والنصف امام الغرفة المدنية الاولى في باريس في أجواء هادئة.
وجلس وكيل ساركوزي المحامي تييري هرتسوغ الذي اتخذ صفة الادعاء، في مقعد الضحية، كما فعل طوال المحاكمة التي أجريت بين 21 ايلول و23 تشرين الاول.وفيما أحاط حشد من الصحافيين بدوفيلبان لتسجيل تعليقه على الحكم، غادر هرتسوغ المحكمة من دون الادلاء باي تصريح.
وبعيد صدور الحكم، لم يتردد دو فيلبان (56 سنة) في اعلان عزمه على مواصلة دوره السياسي.وبتواضع، تباهى بالنصر، قائلاً: "آذتني الصورة التي حاولوا رسمها للسياسة، ولالتزامي طوال 30 سنة، لكني أريد التطلع الى المستقبل لخدمة الفرنسيين والمساهمة بروح الجماعة، في تقويم فرنسا…أنا فخور بكوني مواطنا في بلاد هي فرنسا حيث يبقى مفهوم الحرية حيا. لا اشعر بأية ضغينة او بأي حقد. اريد فتح صفحة جديدة".
محطات "كليرستريم"
ويشار الى أن دو فيلبان هو واحد من خمسة أشخاص اشتبه في تورطهم في تلاعب للتشهير بساركوزي عام 2004 عندما كان وزيراً وبات منافساً له داخل اليمين في انتخابات 2007.
وقدمت الى المحكمة قوائم مصرفية من غرفة المقاصة "كليرستريم" ومركزها اللوكسمبور، بعدما جرى التلاعب بها للايحاء بان عددا من الشخصيات، بينها ساركوزي، يملكون حسابات سرية وتلقوا رشى في صفقة بيع اسلحة.
واتهم محامي ساركوزي دو فيلبان بأنه وراء هذه العملية. وطلبت النيابة العامة السجن 18 شهراً مع وقف التنفيذ لرئيس الوزراء السابق، اضافة الى غرامة قيمتها 45 الف أورو.
وكرر دو فيلبان الذي ساءت صورته في جلسات الاستماع بعد شهادة عميل الاستخبارات السابق الجنرال فيليب روندو الذي كلف التحقيق في اللوائح المصرفية، انه لم يؤيد "في اي وقت كان"، ولم يشارك في هذه العملية. وغالبا ما ندد بخطاب طنان بمحاكمته سياسياً. وهو كان قال في اليوم الاول للمحاكمة: "انا هنا بارادة رجل واحد، انا هنا بتحريض من رجل واحد هو نيكولا ساركوزي…. سأخرج من هنا حراً وبريئاً باسم الشعب الفرنسي".
كذلك، انطبع السلوك غير المسبوق لساركوزي، "الطرف المدعي الخارق" في الاذهان، إذ لم يتردد في مقابلة تلفزيونية في وصف المدعى عليهم بانهم "مذنبون" قبل اتخاذ المحكمة قرارها. غير ان دو فيلبان الذي اكد انه ينتظر الحكم "بطمأنينة"، لم يحاول في الاشهر الاخيرة اخفاء طموحاته الرئاسية في انتخابات 2012. وقال: "مهما حصل، سأواصل دربي". وبات على ساركوزي الذي سجلت شعبيته أدنى مستوياتها، وشوهت عمله سلسلة من الجدالات أخيراً، ان يحسب حساب معارض شديد الاندفاع.
اليمين واليسار
وفي ردود الفعل في معسكر اليمين، قالت النائبة شانتال برونيل القريبة من ساركوزي أنها "تتمنى بقوة" الا يسعى دوفيلبان الى التقسيم، وأن يتوقف الجدل، في ما بدا دعوة الى التهدئة.
وفي المقابل، شدد النائب غي جوفروا القريب من دوفيلبان اللهجة، ووجه دعوة ضمنية الى المراهنة على دوفيلبان. وقال:"انا مسرور جداً لدومينيك دوفيلبان، وأعتقد أنه مع هذا القرار ، على الغالبية أن تجد وسائل جديدة واضافية للحديث عن المستقبل".
وفي اليسار، لم يتردد النائب الاشتراكي أرنو مونتبور في القول إن "رئيس الجمهورية استغل في هذه القضية القضاء لتصفية حسابات.وها هو كذِّب على يد قاض مستقل ومحكمته.هذا دليل على أن ساركوزي استخدم القضاء للتخلص من خصم سياسي".
و ص ف، رويترز، أ ب، أ ش أ، "الموند"




















