حصر الروايات عن أسباب وملابسات سقوط الطائرة الإثيوبية يستنفد جهد اللبنانيين وقدرتهم على التخيل. لا يستطيع أحد التصديق أن كارثة جوية يمكن أن تقع في بلادنا كتلك التي تقع في أفقر الدول وأغناها، في أكثر المطارات تخلفاً وتلك المتطورة تقنياً.
ليس في وسع الوعي التآمري الذي يخترق أذهان اللبنانيين الاعتراف أن الطائرات تقع وبمعدلات كبيرة وأنه لا يكاد يمر أسبوع من دون حدوث فاجعة من النوع الذي أصابنا، في بلد من بلدان العالم. من مجاهل الأدغال الاستوائية في أميركا الجنوبية إلى الصحاري الثلجية في الشمال القطبي. الأخطاء البشرية والأعطال التقنية التي يموت أناس أبرياء ويخسر أقارب فيها فلذات أكبادهم وأحباءهم، ضريبة تدفعها البشرية ثمناً لتقصير المسافات وللتقدم في مجال المواصلات. فلا مجال للفرار من القدر سواء وقع في حادث سير (كذاك الذي أصاب زميل عزيز لنا في «الحياة» قبل أيام) أو تصادم قطارين أو سقوط طائرة.
لكن منذ الساعات الأولى لحادث الطائرة الإثيوبية، صنع اللبنانيون ووسائل إعلامهم خرافات أحاطت بالفاجعة. هناك من تحدث عن صاروخ أصابها وآخر تكهن باستهداف الطائرة لوجود شخصية ما على متنها. الأقل تمتعاً بالخيال الخصب حمّل الطيار مسؤولية الكارثة لتجاهله تعليمات برج المراقبة. ومع تقدم عمليات البحث ودخول سفينة حربية أميركية منطقة الكارثة واكتشافها موقع الحطام والصندوقين الأسودين، تفتق ذهن بعضهم عن حديث عن مؤامرة خفية بين الحكومة الأميركية وشركة «بوينغ» تقضي باستيلاء السفينة على الصندوقين والعمل على إخفائهما. لماذا؟ يجيب صاحب الخبر لأن الأميركيين لا يريدون أن يفضحوا أعطال طائراتهم وفي نفس الوقت يسعون الى التهرب من تحمل المسؤولية ودفع التعويضات لأهالي الضحايا.
خيال مريض وسقيم وجهل بأبسط آليات عمل العلاقات بين الدول والمؤسسات وأساليب إدارة مواقع الكوارث التي باتت علماً قائماً بذاته. وكل ما يملك هؤلاء الذين تفتح لهم شاشات التلفزة وصفحات الصحف هو انتماء لا لبس فيه الى عقل خرافي لا يمت بصلة إلى حقائق تقول أن سقوط الطائرات يقع ضمن الاحتمالات التي يعرفها كل ذي بصيرة، وأن لبنان ليس استثناء لهذه القاعدة بأي حال من الأحوال.
هنا يبرز حس الفرادة والاستثناء عند مواطنينا. فاللبنانيون الذين قضوا في الكارثة ذهبوا ضحية طيار غير مؤهل وعلى متن طائرة تملكها شركة طيران غير موثوقة وغير ذلك مما يشير من طرف خفي إلى العنصرية تجاه الإثيوبيين الذين فقدوا العشرات من أبنائهم وبناتهم في الحادثة والذين تتميز شركة خطوطهم الجوية الوطنية بأنها واحدة من أفضل ثلاث شركات افريقية سمح لها الاتحاد الأوروبي بالتحليق في أجوائه، وأن الطيار كان يملك خبرة عشرين عاماً في قيادة الطائرات التجارية. ليس هذا الكلام دعوة الى إلقاء مسؤولية الكارثة، في المقابل، على هيئات الطيران المدني اللبناني، بل كل ما ينطوي عليه هو رغبة في الابتعاد عن تلك السهولة المقززة في استصدار الأحكام المبرمة قبل تشكيل لجان التحقيق وقبل انتشال الصندوق الأسود وقبل قول الخبراء كلمتهم في ما جرى. فحرارة القلب يجب ألا تطيح ببرودة العقل.
وإذا كانت الكارثة تكشف عن سير الاقتصاد اللبناني على قدمين من خزف، هما «تصدير» اليد العاملة الى بلدان الاغتراب و «استيراد» العمال للقيام بالأعمال اليدوية والمنزلية، في تجاور للمفارقات اللبنانية الكثيرة والمزعجة، فإنها سلطت الضوء من جانب آخر على تمكن آليات التفكير الخرافي من المجال اللبناني العام واستيلائها عليه استيلاءً شاملاً وكاملاً، حتى ليكاد يبدو أن الحزن العادي النبيل على خسارة حبيب ممنوعة بل مذمومة في مملكة الفرادة اللبنانية.
"الحياة"




















