خلال الأيام الماضية كانت المملكة في طليعة المانحين «لهايتي» وأفغانستان، وكان لها أيضا حضور لافت في مؤتمر لندن في الشأن اليمني مع القاعدة، وفي كل هذه المناسبات لم تذهب خصماً لأنها تشعر أن العالم لا يحتمل نشوء صراعات وخلافات جديدة، تتضاءل مع وجود أزمات الفقر وتلوث المناخ والكوارث الطبيعية والانهيار المالي والتصحر، وهي قضايا جوهرية تحتاج إلى تعاون دولي في إخراج البشرية من واقعها المعقد مع الإنسان والطبيعة..
الرئيس الأفغاني «كرزاي» طالب المملكة الدخول في عمق المصالحة الوطنية بين السلطة وطالبان،ومن خلال تجارب سابقة جمعت الفرقاء في مكة المكرمة ليتعهدوا بإنقاذ شعبهم ووطنهم، لم تكن المملكة فيها سبباً في عودة الحروب السياسية والعسكرية بينهم، لينطلق زعماء القاعدة المتحالفون مع طالبان في وضع المملكة على لائحة الاستهداف بالإرهاب.
مع ذلك لو وُجد من يستطيع التعالي على أفكاره ويرفض السلوك الدموي الذي يحارب بعقلية تطهير العالم والركض خلفهم، ويرى بعين أخرى المسافة التي تفصلهم عن الواقع المعاش، ويقبل الانخراط في مؤسسات الوطن والمساهمة فيه، وينبذ كل عنف،ويتبرأ من قوى الإرهاب ومحركيها، فإن المملكة ستكون معيناً وداعماً لأي خطوة مصالحة تعيد أفغانستان إلى واقعها الطبيعي..
أما أن تكون العملية مجرد طروحات لشعارات جاهزة، فلا نعتقد أن أي دولة تقبل الفشل في مشروع لا يكتب له النجاح، وهذا لا يعني أننا لا نلتزم بدور مطلوب منا إذا كان يلبي مصلحة الشعب الأفغاني، وبالتالي إذا كانت هناك نوايا للمصالحة، فلا بد من توثيق ذلك كتابياً وعملياً، لا أن يكون الموقف مجرد هدنة تجمع أصحاب القضية ليفرض كل طرف شروطه، مثل أن تتحدث طالبان عن جلاء شامل للقوات الأمريكية، قبل أن تقبل بحل مع السلطة يوفر الأمن لكل الأطراف ويكون موضوع خروج القوات الدولية نافذاً وفقاً لاجتماع وطني لديه القدرة على حماية أمن الوطن واستقراره، أو تشترط الدولة تسليم أسلحة طالبان، قبل أن يُتفق على ميثاق وطني، واشتراك بالحكومة في كل العمليات السياسية والتنموية..
ثم إن المجتمع الأفغاني المتشكل من قوى قبلية لديها ولاءات بغطاء ديني ومذهبي، وكل يفكر نقيض الآخر، وهناك تحالفات غالباً ما تتضاد وتتحارب، إلى جانب تشابك الحدود والقبائل مع باكستان، وكل ذلك يجعل الأمر أكثر تعقيداً من التبسيط الذي تطرحه الحكومة..
صحيح أن الجميع اكتوى بنيران الحروب الطويلة التي تتوالد بأشكال شيوعية وإسلامية، وقبلية، ثم إسلامية تحترف الإرهاب وقبول التمويل من عوائد زراعة الأفيون وتصديره، والاستفادة من دعم قوى غير ظاهرة في جعل الشعب الأفغاني مركزاً لانطلاق الإرهاب السري والعلني وبيئة حرب دائمة، تجعل الأمل بالمصالحة أمراً صعباً، ومع ذلك لا نعتقد أن المملكة لا ترغب أن تكون وسيطاً، لكن قبل ذلك كله، على الفئات الأفغانية المتصارعة خلق بيئة تساعد على نجاح هذه العملية لتصل إلى الآمال المعقودة عليها..
الرياض




















