قبل أن يتضح التقدم الكبير لتكتل "ليكود" اليميني في استطلاعات الرأي للانتخابات العامة الاسرائيلية المقبلة كانت رئيسة حزب "كاديما" بدأت تنأى بنفسها عن مواقف ايهود اولمرت، رئيس الوزراء الانتقالي.
فمند ان قرر اولمرت عدم ترشيح نفسه لزعامة "كاديما" وهو منصرف الى اتخاذ المواقف التاريخية: في ملف المفاوضات مع سوريا، وفي حاجة اسرائيل الى تسوية سريعة مع الفلسطينيين.
معلقون اسرائيليون كثر لاحظوا التزامن بين تضاؤل الوزن السياسي لأولمرت وازدياد مواقفه وضوحا حول شروط التسوية المقبلة، اذا كانت اسرائيل ترغب في مثلها.
في الاتجاه نفسه نقلت صحيفة "هآرتس" الاسرائيلية حوارا دار بين اولمرت وبوش في لقائهما الاخير، فيه عتب رئاسي اميركي على الثقة التي يوليها اولمرت للرئيس السوري والتي تسمح له بقطع تعهدات بالنسبة الى ارجاع الجولان.
هذه الوضعية "الرسولية" لأولمرت بدأت تحرج ليفني التي يفترض بها، الى جانب زعامتها لـ"كاديما"، ان تتولى قيادة مفاوضات السلام في حال أتت الانتخابات لمصلحتها.
لقد عادت ليفني الى طرح الشروط المعروفة للتقدم على المسار السوري، وجاهرت بأن مبادرة السلام العربية غير مقبولة بصيغتها الراهنة، وتنصلت من كل "الاختراقات" في مواقف اولمرت على المسار الفلسطيني.
مواقف ليفني اقرب الى الانسجام مع الانعطاف الملحوظ في الرأي العام الاسرائيلي يمينا، والذي يتخذ هذه المرة شكل ذوبان تدريجي لحزب "العمل" يكاد يصل الى حدود الانقلاب التاريخي في الحياة السياسية الاسرائيلية.
آخر الاستطلاعات لا تعطي "العمل" اكثر من ثمانية مقاعد، اي اقل من الكتلة العربية بمقعدين، على سبيل المثال.
وهذا الاضمحلال في يسار الوسط لا يتم لمصلحة تشكيلات اكثر راديكالية، بالطبع، لان التشكيل اليساري الآخر، "ميريتس"، ما زال يراوح عند وزنه السابق، اي وزن حزب "العمل" الحالي.
كل اليسار الاسرائيلي اليوم يحظى في الاستطلاعات في حدود الستة عشر مقعدا مما يعني ليس غلبة اليمين وفق الصيغ التقليدية المعروفة لتناوب اليسار واليمين على السلطة، وانما احتلال اليمين معظم المساحة السياسية، ولأمد غير منظور.
وفيما يتلقى ايهود باراك النصائح حول ضرورة الالتحاق بلوائح "كاديما" تعاني ليفني نفسها من هشاشة حزبها الذي كان يستمد قوته الاساسية من زعيمه السابق ارييل شارون الذي كان قراره مغادرة "الليكود" وتأسيس "كاديما" بمثابة قرار بتهميش الاول اذا لم نقل انهائه وجعل الحزب الجديد الحزب اليميني الاول في البلاد.
مع غياب شارون وتعثر اولمرت على كل المستويات، وتبدد حزب "العمل"، تجد ليفني نفسها بدون مرجعيات امام وضوح وبساطة برنامج "الليكود".
الرأي العام الاسرائيلي كما تعكسه وسائل اعلامه ومواقف احزابه يرتاح الى تشاؤم "الليكود" من امكانات التسوية مع العرب، عموما.
مع الفلسطينيين تبدو القوة الصاعدة "حماس"، لا "فتح"، ومع سوريا لا تبدو واعدة، بالنسبة اليهم"، المراهنات على مقايضة الجولان، بانقلاب حقيقي في موقع سوريا من معسكر الى معسكر آخر، او على الاقل اعادة خلط جذرية للاوراق الشرق الاوسطية.
اما في الشمال فتبدو المواجهة مع "حزب الله" امتداد للأزمة النووية مع ايران، والتي تشكل ربما مجال الاجماع الاسرائيلي الوحيد هذه الايام.
وفي ما يتجاوز الحسابات الباردة يبدو الرأي العام الاسرائيلي مدفوعا، نفسيا، نحو الملجأ اليميني الذي يمثله "الليكود" ونتنياهو ، باعتبار ذلك النتيجة الطبيعية للإحباطات التي تسببت بها حرب تموز 2006 على لبنان.
لم تطلق "حرب تموز" تيارا اسرائيليا سلميا يقول انها آخر الحروب، والاستنتاجات المجمع عليها اسرائيليا تنتمي في معظمها الى العالم العسكري لا الى عالم السياسة.
اسرائيل التي تجهز نفسها لحرب جديدة اولا مع "حماس" ثم مع "حزب الله" تتضمن سيناريوات قد تشمل سوريا وايران، ليست اسرائيل الباحثة عن تسويات مع العرب، الذين تعتبرهم غير قادرين على ضمان ما يلتزمون به، والمقصود طبعا "عرب الاعتدال".
واذا كان المجتمع الاسرائيلي يتوق للثأر لإثبات انه من الممكن استعادة قوة الردع العسكرية، فمن الطبيعي ان يختار في شباط المقبل الطرف غير المكبل بما يتجاوز الاعتبارات العسكرية – الامنية.
المشكلة الوحيدة الاساسية التي ستواجه "الليكود" في حال وصل الى الحكم هي عدم التوافق بين الادارة الاميركية الجديدة وبين النِّفَس السائد في اسرائيل، مما سيضع ضوابط وكوابح امام انفلات الآلة العسكرية الاسرائيلية، لكنه لا يستطيع ان يكبح قدرات نتنياهو المجرَّبة على التعطيل.
هذه القدرات سبق ان اثبتت فاعليتها في وجه اتفاقات موقعة. لذلك لن يكون صعبا عليها اخماد انفاس السلام الباقية.
محمد ابرهيم



















