عبدالله اسكندر
تنشغل الولايات المتحدة، والعالم معها، بالتعيينات في الادارة الاميركية المقبلة ومدى انعكاسها على سياسة الرئيس المنتخب باراك اوباما، خصوصا بمدى افتراقها عن سياسة الرئيس جورج بوش الذي يغادر البيت الابيض في 20 الشهر المقبل بعد ولايتين، شهدت آخرهما حروبا وكوارث بيئية واقتصادية. لكن بوش اعتبر ان الوقت الذي قضاه في الرئاسة «مصدر فرح» له، كما قال في حديث الى شبكة «آي. بي. سي» التلفزيونية الاميركية ليل اول من امس.
وربط بوش هذا الفرح بـ «القدرة على خدمة الوطن» الذي «أحبه». وربما تكمن الكوارث التي رافقت عهد الرئيس المنتهية ولايته هو انه لم يكن يعرف كيف «يخدم» هذا الوطن، وإن كان يحيل مسؤولية هذا الجهل على الآخرين، ليس في ادارته فحسب، وانما في كل مكان.
فقد اعترف الرئيس أخيرا بما يعرفه العالم أجمع، وحتى اركان ادارته، بأن استخباراته «اخفقت» في العراق، وهو «يأسف» لذلك. ولو ان هذا الاخفاق تعلق بتقدير خاطئ لمواقف سياسية او تحليل ادى الى توتر في العلاقات او اضطراب عابر، لكان الأسف في محله. فقد أدى الفشل الى ما أدى اليه، من تفكيك دولة وانطلاق شياطين الطائفية والكوارث الانسانية وسقوط ملايين الضحايا بين قتيل ومعاق ومهجر، بمن فيهم نحو 4200 جندي أميركي، فإنه يستحق اكثر من أسف رئاسي. كما كان هذا الفشل بين اسباب انهيار الحرب على الارهاب في افغانستان وما تبعها من بروز تهديدات في باكستان، وصلت اخيرا الى الهند واحتمالات تجدد مواجهات هندية – باكستانية، وكان وراء صعود القوة الايرانية التي استغلت هذا الفشل المتزامن مع صعود اسعار النفط، حتى باتت الهم الاول للديبلوماسية الاميركية وعنصر اضطراب في المنطقة.
ويؤشر موقف بوش من هذا الاخفاق الذي لم يجد غير الأسف للتعبير عنه، الى تلك الشحنة الايديولوجية الطفولية في سلوك رئيس اقوى دولة في العالم. لا بل عبّر عن هذه النزعة، عندما اعترف بأن اعظم انجازاته «الاقرار بأننا في حرب مع دول مارقة ايديولوجيا». ولا تقف الطامة عند هذا الحد، اذ ان بوش لم يتردد في الاعتراف انه لم يكن مهيأً لخوض حرب، مبررا ذلك بعذر أقبح من ذنب، اذ يقول ان «من خصائص الرئاسة المعاصرة ان ما هو غير متوقع يحصل»!
لقد ألهب بوش العالم من دون تخطيط ومن دون معرفة بطبيعة المشكلة التي عليه ان يواجهها، واستنادا الى اخفاق مخابراتي. ولو ان هذه المواصفات اقتصرت على العراق وحده، لكان يمكن الاستنتاج ان المستشارين من المحافظين الجدد ورطوا هذا الرئيس في العراق الذي افترضوا أن غزوه نزهة قصيرة تنتهي الى ترسيخ الديموقراطية، لكن سلوك الرئيس في الملفات الاخرى لم يكن أقل طفولية ولم يكن اكثر كفاءة مما حصل في العراق… من معالجة اعصار كاترينا الى موقفه من الانبعاث الحراري وحماية البيئة وصولا الى الأزمة المالية والاقتصادية الاخيرة.
وهذا ما يطرح على الادارة الجديدة التي بدأت تتبلور ملامحها وخطوطها العريضة مهمات مضاعفة، أقلها السعي الى ترجمة «أسف» الرئيس المنتهية ولايته، والاسراع في لجم الاضرار المستمرة لسياسته، في العراق وفي منطقة الشرق الاوسط.
واذ يعتبر الرئيس المنتخب ان الارهاب «يمثل اهم خطر منفرد على الشعب الاميركي»، داعيا الى «تعبئة مواردنا وتركيز انتباهنا على هزيمة القاعدة وبن لادن وأي جماعات أخرى للمتطرفين… لا للحفاظ على أمن اميركا فحسب وانما لنضمن ايضا استمرار السلام والرخاء في شتى انحاء العالم»، فإن العدل في التعامل مع قضايا العالم هو الذي يجفف منابع الارهاب ومصادره، خصوصا في منطقة الشرق الاوسط حيث تتوافر اسباب موضوعية لمشاعر الظلم والنقمة وفقدان الثقة بالنيات الاميركية.
"الحياة"



















