كَثُرَ الحديث في الصحافة العربية عن الرئيس اوباما بمناسبة مرور عام على رئاسته . جل هؤلاء الكتاب مثقفون يساريون معنيون بالشأن العام . بعضهم اعتبر أن فشل الرئيس في انجاز ولو جزء يسير مما وعد به في حملته الانتخابية يؤكد صوابية منهجه المبني على قاعدة – الرؤساء الأمريكيون وجوه متعددة لعملة واحدة – أي ان أمريكا لا تستطيع الخروج من جلدها فهي دولة امبريالية بامتياز وهي تسعى الآن في ظل النظام العالمي الجديد الى تشكيل امبراطورية يدين لها العالم بقوة بسطارها . وبعضهم الأخر نظر اليه بوصفه رئيسا راغبا في خدمة بلاده والعالم لكنه بالنهاية عاجز عن ذلك .
تخلط هذه الكتابات عن وعي أحيانا وعن جهل أحيانا أخرى بين الإنساني والطبقي وتتجاهل طبيعة الصراع في قرننا الحالي الذي ينضح بالحقائق التالية :
1. ان الصراع ما يزال في كل مكان بين تيارين رئيسين – لكل منهما تجليه سواء على المستوى الأممي او القومي او المحلي – أحدهما يريد وضع العصي في دواليب عجلة التقدم الاجتماعي لأن حركة دواليبها ستمر على مصالحه , والثاني يريد إحداث تنمية شاملة تعود بالخير على العالم كله .
2- لم تعد الثورات تلائم هذا العصر . الثورة هدم وبناء . ولكن الهدم في العصر الحالي قد يحرقنا جميعا. عصرنا يلائمه الإصلاح الذي هو بناء على البناء . ولهذا السبب نجد التقابل بين برنامجين في كل مكان , أحدهما يتبنى الاصلاح والآخر ضده . أمامنا مثالان فاقعان هما ما جرى ويجري في أمريكا وإيران منذ بدابة هذا القرن وحتى الآن . ان الصراع ما يزال على أشده بين الجمهوريين والديمقراطيين في امريكا وبين المحافظين والاصلاحيين في ايران . وكلٌ يحشد قواه ويجند أنصاره لكي يصوغ الواقع الجديد بما يخدم مصالحه وبرامجه . مع فارق ان الصراع في أمريكا يتم بشكل حضاري يقبل فيه الطرفان الاحتكام الى صناديق الاقتراع . في حين تختلف الصورة في ايران .
3- ان الاشتراكية – اذا كتب لها أن تظهر على هذا الكوكب كنظام إنتاج أرقى من النظام الرأسمالي – تحتاج الى بلد متطور اقتصاديا واجتماعا وسياسيا حتى تنبثق من أحشائه . أما مقولة ضرب الامبريالية في الحلقة الأضعف فقد عفا عنها الزمن . هذا يعني ببساطة ان قاطرة التاريخ الآن هي أمريكا وأوروبا . في هذا المجال يلام المثقفون القوميون العرب الذين يهمهم الانسان من كونه انسان (حسب زعمهم ) أكثر من غيرهم , فهم مازالوا يتغنون بأمجاد العرب عندما رشحهم التاريخ للعب دور تقدمي تم على يد الإسلام الأول وأعطى المنطقة والعالم دفعة كبيرة من التطور الاقتصادي والاجتماعي الى جانب قيم الاسلام الأخلاقية النبيلة التي تمجد الانسان من كونه انسان . ولكن عندما رشّح التاريخ أوروبا وأمريكا لتلعب دورا مماثلا باسم الديمقراطية وحقوق الانسان رفضوا ذلك بقوة .
حول هذا الموضوع أمامنا مثال حي هو العراق الجديد . لقد عبّر الأستاذ رياض الترك خير تعبير عن الرؤيا الجديدة لاحتلال العراق في ظل العولمة فقال في احدي مقابلاته الصحفية – الاحتلال الأمريكي للعراق نقله من -1 الى الصفر- وقامت القيامة عليه ولم تقعد بعد من قبلهم , وسمي صاحب نظرية الصفر الاستعماري , وهاهو العراق الآن يكاد يكون البلد الوحيد في المنطقة الذي يظهر للمواطن فيه شعاع أمل في حين تبدو بقية البلدان تسير ضمن نفق مظلم لا أمل فيه لساكنيه .
ما جرى في العراق كان تعبيرا عن إرادة تاريخية تمت بالقوة , ولكنها مع ذلك كانت خطوة الى الأمام . وأمريكا لم تأت الى العراق من اجل بلقنته كما يقول أصحاب النهج القديم, واكبر دليل على ذلك هو انحيازها الواضح فيه الى جانب الوطنيين ضد الطائفيين وحرصها أكثر منهم على وحدة العراق .
عندما نفهم العولمة كما هي على حقيقتها ونحاول الاصطفاف الى جانب الإصلاحيين في الداخل والخارج نستطيع ان نخدم قضايانا العربية العادلة , وان لم نفهمها تصبح الطريق الى جهنم مبلطة بالنوايا الحسنة كما يقول المثل الشعبي . ان كثيرا من اليساريين العرب مع كل أسف سواء كانوا شيوعيين ام قومين يدعمون المحافظين في ايران مع أن سلطتهم السياسية تحكم باسم الحق الإلهي كما كان الأمر في القرون الوسطى. والسبب زعم المحافظين الايرانيين انهم يجاهدون ضد الشيطان الأكبر وتقاطع ذلك مع كره اليساريين العرب " للغرب الامبريالي " . وهذا يخدم المحافظين ليس في ايران بل وفي كل مكان في العالم .
بين يدي مقالة للأستاذ ميشيل كيلو منشورة في صحيفة القدس العربية بتاريخ30/1/210 تحت عنوان
( بمناسبة عامه الأول … رسالة الى الرئيس أوباما ) .
ومع احترامي الشديد للأستاذ ميشيل وموافقتي على كل ما جاء في رسالته تقريبا وخاصة قوله
((لا بد، من أجل تنمية البلدان العربية والإسلامية، من إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، وإيجاد حل سلمي للصراع العربي / الإسرائيلي. ليس من المعقول، سيدي الرئيس، أن ترى أمريكا العرب بملايينهم الثلاثمئة ورقعتهم الأرضية الهائلة وثرواتهم البشرية والطبيعية ودورهم التاريخي الحضاري، من ثقب إسرائيل الضيق، الذي يحجب عنها حقائق منطقتنا ويجعل سياساتها معادية لنا. ولا مفر من حل مشكلات الأقليات القومية والدينية في البلدان الفقيرة، بما في ذلك العربية منها، وإطلاق تنمية سياسية تقوم على الحرية والعدالة.))
ولكن على ما أعتقد كان الأجدى بالمثقفين العرب أمثاله بدلا من لوم اوباما لأنه حنث بوعوده ولم ينفذ شيئا منها على الأٌقل في موضوع ما نسميه قضيتنا المركزية – فلسطين – طرح السؤال بالشكل التالي :
ماذا فعلنا نحن العرب لمساعدة اوباما في داخل وخارج أمريكا لتقويته بوجه خصومه المحافظين الذين ينظرون الى الشرق الأوسط من ثقب اسرائيل الضيق ؟ وبالتالي مساعدته لكي ينفذ بعضاً مما وعد به في حملته الانتخابية .
كامل عباس – اللاذقية




















