خلال الأسابيع القليلة الماضية، توالت تعديلات متسارعة على أعلى هرم المسؤولين عن الاقتصاد السوري وتخطيطه، فتم تعديل وزاري نقل بموجبه وزير الاقتصاد د.عامرلطفي ليترأس هيئة تخطيط الدولة، بينما تسلمت حقيبة الوزارة السيدة لمياء عاصي، وقبلها بأيام كان قد تم إعادة تكليف النائب الاقتصادي السيد الدردري بترؤس الهيئة المذكورة، إثر إقالة رئيسها د.تيسير الرداوي.
كان واضحا للمتابعين أن الإقالة المذكورة جاءت ردا على انتقادات د.الرداوي المتكررة لإنجازات الخطة الخمسية العاشرة المنفذة، وكان أشدها التقويم الأخير الذي أوردته محاضرته في ندوة الثلاثاء الاقتصادية يوم 6/1/2010، وجاء متعارضا بصورة واضحة، إن لم نقل فاضحة، مع العرض المدائحي الذي قدمه رئيس مجلس الوزراء لانجازات تلك الخطة أمام مجلس الشعب، وقبل أيام فقط!
كان من بين أهم ما جاء في محاضرة د.الرداوي المذكورة، على ما نقلته وسائل إعلامية متعددة : " أن حجم الإستثمار العام والخاص لايزال متواضعا، وأن النمو المتحقق في سنوات الخطة الخمسية العاشرة كان لصالح فئات قليلة من السكان، أعاقت بممارساتها الاستهلاكية والبذخيّة عملية التنمية ", ووفق ذلك الاستنتاج، يمكن تقويم مسارتنفيذ الخطة الاقتصادية السورية المعتمدة منذ عام 2005، أي منذ تبني السلطات السورية لنظام اقتصاد السوق الاجتماعي بقرار من مؤتمر الحزب الحاكم. وهذه ليست مزاعم معارضين أو خصوم على طريقة الخبيرين المضطهدين عارف دليلة ورياض سيف، كما دأب إعلاميو النظام على اتهام كل رأي مخالف في هذا المجال. بل هي شهادة من أهله، ومن المسؤول عن أعلى مؤسسة تخطيطية، وكان يبدومنسجما مع التوجهات الاقتصادية الرسمية إلى زمن قريب! لدرجة أنه أشرف على وضع الخطة الخمسية الحادية عشرة الجديدة، التي كان متوقعا لها أن تطرح للنقاش بعد أشهر.
وفي حين يذهب بعضهم إلى رؤية أن الخلاف بين الدردري والرداوي شخصي، أوهو على الأكثر خلاف علمي أو فني بحت بين وجهتي نظر في التخطيط الاقتصادي، فإنهم يتجاهلون السبب الكامن خلف ذلك الفشل، ووراء ذلك التخبط المستمر!
ذلك أن القيّمين على هذا التخطيط، كانوا قد تفادوا من البداية ترابط جوانب الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، فهربوا إلى إصلاحات جزئية تعللت بالإصلاح الإداري حينا والإصلاح القضائي حينا آخر وحتى الإصلاح المعلوماتي أحيانا، وانتهوا لتبني الإصلاح الاقتصادي في تطبيق سوري مجتزأ ومشوه لنظام اقتصاد السوق الاجتماعي!
وبالطبع، فمن رأى في ترابط جوانب الإصلاح تهديدا له، ما كان ممكنا له أن يرى في نظام السوق الاجتماعي، إلا جوانب حرية السوق والمنافسة والتنمية من وجهة نظر فنية صرف، كما حدث في خلاف الدردي والرداوي المشهود. أما إطلاق الحريات العامة والمشاركة الشعبية واحترام حقوق الإنسان، وسيادة القانون واستقلال القضاء ، وهي من سمات الحكم الرشيد المتجلي في نظام اقتصاد السوق الاجتماعي المتكامل الذي قدمه المثالان الألماني والماليزي، فذلك ما يصر المخططون على تجاهله والتنكر له.
هكذا، إن كانت التعديلات الحكومية السورية قد كشفت عن تخبط وخلافات، فإنها لم تكشف إلا عن قمة جبل الجليد، وهو جبل من المشكلات التي لم يعد الهرب من مواجهتها يزيدها إلا تضخماَ وتعقيداَ. وسيستمرالديمقراطيون السوريون في المطالبة بمدخل إصلاحي وطني شامل لها، هو، مهما اختلفت المصطلحات والمقاربات، في مصلحة جميع السوريين .
30-1-2010




















