شهدت التهديدات الإسرائيلية الموجهة الى لبنان في الآونة الأخيرة تغيراً نوعياً بالمقارنة مع الأشهر السابقة. فبعد حرب 2006، ركزت التهديدات على أن أي هجوم جديد قد يبادر اليه "حزب الله" على إسرائيل، سيواجه برد قاس يطول كل البنية التحتية في لبنان. بعدها ارتفعت نوعية التهديدات، وصار حصول الحزب على منظومات دفاعية ضد سلاح الجو الإسرائيلي خرقاً "لتوازن الردع" القائم على الجبهة الشمالية لإسرائيل، وبالتالي يشكل ذريعة لرد عسكري إسرائيلي عنيف يطول كل لبنان أيضاً.
في المدة الأخيرة طرأ تبدل نوعي آخر على تهديدات السياسيين والعسكريين الإسرائيليين للبنان، فبات استمرار الحزب في عمليات تسلحه، قد يتحول سبباً لاندلاع مواجهة عسكرية جديدة على الجبهة الشمالية.
لا تحتاج إسرائيل الى ذرائع لشن الحرب، وتاريخ الحروب الإسرائيلية على لبنان مليء بالأمثلة والنماذج. ولكن على الرغم من كل حملات التخويف الإسرائيلية، هناك حقيقة لا يمكن التهرب منها هي أن المواجهة العسكرية المقبلة بغض النظر عن الطرف الذي سيتسبب بها ستكون حرباً ساحتها الجبهات الداخلية والمدنيين من الطرفين، وليس الجبهات التقليدية للقتال.
لقد كان هذا أهم درس استخلصه العسكريون الإسرائيليون لدى مراجعتهم لأنماط الحرب غير المتكافئة"Asymmetric warfare" التي شكلت حرب تموز 2006 خير نموذج عليها. فلقد اثبتت وقائع هذه الحرب، وعملية "الرصاص المسبوك" على غزة في كانون الأول 2008، أن استهداف الجبهة الداخلية الإسرائيلية والسكان المدنيين، بصواريخ الكاتيوشا والصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى التي لدى "حزب الله"، بالاضافة الى صواريخ القسام التي تملكها "حماس"، شكل الى حد ما، مقابلاً للتفوق العسكري الهائل للجيش الإسرائيلي في المجال الجوي، والاستخباري، والتكنولوجيا العسكرية. كما أثبتت حربا لبنان وغزة ان باستطاعة سوريا وإيران خوض حربهما ضد إسرائيل بالواسطة، من دون أن تدفعا ثمناً لذلك، وأبرز دليل على ذلك استمرارهما في تسليح "حزب الله" وحركة" حماس" استعداداً للمواجهة المقبلة التي يكثر الإسرائيليون من التحذير منها.
تعمل إسرائيل انطلاقاً من فرضية أن الحرب واقعة لا محالة. ووفقاً لما تنشره الصحف ومراكز الأبحاث وما يقوله قادة الجيش الإسرائيلي أنفسهم، هناك اكثر من سيناريو: بدءاً من تصعيد مفاجىء من جانب "حماس" في غزة، وانتهاء بهجوم عسكري تشنه إيران عليها "عن بعد، وعن قرب"، بواسطة صواريخ القسام من غزة والكاتيوشا من لبنان وصواريخ "شهاب" من إيران. وهم لا يستبعدون في مرحلة من المراحل دخول سوريا على خط المواجهة، التي ستتحول مواجهة ثلاثية بين إسرائيل من جهة وإيران وسوريا وحليفيهما في المنطقة "حزب الله" و"حماس" من جهة أخرى. وهذه المواجهة ستستهدف بالدرجة الأولى المدن الكبرى والتجمعات السكانية، قبل المواقع العسكرية.
منذ أكثر من ثلاثة أعوام يعكف قادة الجيش الجيش الإسرائيلي على تطوير نظرية قتالية جديدة لمواجهة مثل هذه الحرب "غير المتكافئة" التي تستهدف المدنيين، ولوضع حد لحروب الواسطة التي تخوضها سوريا وإيران ضد إسرائيل منذ اعوام. ولهذا الغرض بدأوا العمل على اعداد الجبهة الداخلية، وعلى تحسين نوعين من الدفاع: "الدفاع الفعال" وذلك عبر نشر شبكة صواريخ "حيتس" الإعتراضية، وتطوير "القبة الحديد"؛ و"الدفاع السلبي": عبر تطوير صفارات الإنذار، وحالات الطوارىء، وتوزيع الأقنعة المضادة للغازات. لكن على الرغم من كل الجهود والأموال التي صرفت حتى الان ووفقاً لاعتراف المسؤولين المولجين هذه المهمة، فإن اعداد الجبهة الداخلية الإسرائيلية للحرب المقبلة لن ينتهي قبل شهر أيار المقبل.
من ناحية أخرى يبحث المسؤولون الاسرائيليون في ايجاد الرد الناجع على حروب الواسطة التي خاضتها إيران وسوريا ضدهم، وهم حتى الان لم يتوصلوا الى حل. من الممكن ادخال عملية القصف الإسرائيلي للمنشأة النووية السورية في دير الزور عام 2007 في هذا الإطار، ولكن لا يعدو هذا أن يكون حادثة محدودة في وضع اكثر تعقيداً بكثير.
يمكن القول ان جزءاً من التهديدات الإسرائيلية بضرب البنى التحتية في لبنان، يهدف الى ردع "حزب الله" عن استخدام شبكته الصاروخية ضد الأهداف المدنية الإسرائيلية في الحرب المقبلة، ومحاولة إسرائيلية لتغيير أشكال المواجهة العسكرية المقبلة.
"النهار"




















